عنوان المقال : يُسأل عن المال
الكاتب : محمد التومي المحامي
أثار انتباهي مقولةً منتشرةً منذ فترةٍ قرأتها في أكثر من مناسبةٍ تتعلق بالزواج، وهي : (من يُؤتمن على العرض، فلا يُسأل عن المال) وأنا بدوري رويت في الأمر غير مرةٍ، ولا أستنكر أبدًا كون العرض أغلى من المال، ويذكرني ذلك بقول الشاعر :
أصون عرضي بمالٍ لا أدنسه
لا بارك الله في المال بعد العرضِ
بيد أن الزواج في حد ذاته عقد من أنواع العقود، والقاعدة الشرعية والقانونية : العقد شريعة المتعاقدين.
فطالما أن هذا العقد أبرم على اتفاقٍ صار هذا الاتفاق التزامًا شرعيًّا استوجب في الذمة، وإذا كتب هذا الاتفاق على الأوراق صارت حجة شرعًا وقانونًا، وإذا حنث أحد طرفي التعاقد في التزامه جاز للحاكم أو للقاضي إلزامه بما تعاقد عليه، والتزام الزوج بحقوق زوجته في حكم الدين، والقاعدة الشرعية : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}
ولا مانع أو حرج أو عذر أن يسأل من يؤتمن على العرض عن المال، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتاجر بأموال أم المؤمنين خديجة، وكان يؤدي إليها أصل المال، وأرباح التجارة، وهذا يحمل معنى السؤال أو الحساب، والعصبات الذكور مؤتمنون على أعراض نسائهن من أمهاتٍ وأخواتٍ وبناتٍ، وغيرها من الأنساب والأرحام قبل أن يؤتمنوا على أعراض زوجاتهن، وهذا لم يمنع من سؤال العصبات من الرجال عن أموال النساء وحقوقهن من ديونٍ أو بيوعٍ أو مواريثٍ أو أجورٍ أو غير ذلك.
بالإضافة إلى أن هناك جوانب أخرى واجب مراعاتها في مثل هذه الأمور الخاصة بالزواج والمصاهرة تكون سببًا في الطلاق والفراق ليس شرطًا أن تكون متعلقة بدين الزوج أو أخلاقه، فالدين والأخلاق أحد عوامل النكاح لكنها ليست كلها، ومن خلال خبراتي يحضر في ذهني العديد من المواقف في هذا الشأن تستدعي الضرورة أن أسرد بعضها بغية الإيضاح والتبيين، ومنها التالي :
١- امرأة تزوجت رجلًا اشتكت بخله، وطلقت على إثر ذلك، والبخل كصفةٍ ليس عيبًا دينيًّا أو أخلاقيًّا إنما عيبًا نفسيًّا.
٢- امرأة تزوجت رجلًا اشتكت شكله، وطلقت على إثر ذلك، فكانت تخشى على نفسها الفتنة، والوقوع في المحرمات إذا رأت رجلًا آخرًا أجمل من زوجها خلقةً، والخلقة بيد الخالق، وليست عيبًا دينيًّا أو أخلاقيًّا.
٣- امرأة تزوجت رجلًا، واكتشفت فيه عيبًا خفيًّا لم يظهره أو لم يكن يظنه عيبًا أو كان جاهلًا به مثل إصابته بالعقم أو بمرضٍ جلدي أو تناسلي أو عجزٍ جنسي أو غيرها من الإصابات التي تشكل عللًا غير واضحةٍ أثناء العقد، فاشتكت وطلقت على إثر ذلك.
٤- امرأة أصاب زوجها مرضًا أو فقرًا لا تطيقه بعد الزواج، وهي ليست مجبرة شرعًا ولا قانونًا على العيش بل لها أن تحل نفسها من رابطة الزوجية، وتتحرر من هذا الظرف الخارج عن قدرتها على التحمل.
٥- امرأة عدد زوجها زوجاته على غير رغبتها وإرادتها، ولم تقبل بذلك، واستشعرت الظلم في المعاشرة والمعاملة، فاشتكت وطلقت على إثر ذلك.
هذه بعض المواقف التي مرت عليَّ، وكانت سببًا رئيسيًّا للطلاق، وكلها غير متعلقةٍ بالدين أو الأخلاق، وليس فيها ما يشين العرض أو التقصير في صونه وحفظه بأي صورةٍ كانت، ودفعتني إلى أن أسأل سؤالًا : هل كل النساء اللائي طلقن في هذه الحالات ليس لهن حقوق عند أزواجهن كي نجحد مالهن بمقولة : من يؤتمن على العرض، فلا يسأل عن المال؟!
أرى أن هذا نوعٌ من أنواع السطحية، ونقصٍ في تقدير الأمور والظروف والأحداث، فلا يمنع شرعًا وقانونًا وعرفًا أن يسأل عن المال من يؤتمن على العرض. انتهى
