ثقافة التأجيل وكيف نصنع معاناتنا
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليس كل ما يؤلم الإنسان يأتيه من الخارج. فبعض المعاناة تبدأ من موقف صغير يبدو عابراً. وبعض المشكلات لا تولد كبيرة. لكنها تكبر لأننا نمنحها الوقت الكافى لكى تتراكم. وبين مشكلة كان يمكن حلها فى دقائق. ومشكلة أصبحت تحتاج إلى أيام أو أسابيع أو سنوات. تقف عادة صامتة إعتادها كثير من الناس. إنها ثقافة التأجيل.
التأجيل فى حد ذاته ليس خطأً دائماً. فالإنسان قد يحتاج إلى وقت حتى يفكر. وقد يؤجل قراراً لأنه يحتاج إلى معلومات أكثر. وقد ينتظر التوقيت المناسب لإتخاذ خطوة مهمة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التأجيل من وسيلة للتفكير إلى أسلوب دائم للهروب. وعندما يصبح الإنسان أكثر راحة فى تأجيل المشكلة من مواجهتها. وأشد إطمئناناً إلى ترك الأمور معلقة من حسمها.
هناك أشياء كثيرة فى حياتنا لا تحتاج إلى حلول معقدة. تحتاج فقط إلى قرار فى الوقت المناسب. لكننا نؤجل. نؤجل إصلاح العطل الصغير. نؤجل إنهاء المعاملة. نؤجل الحديث مع شخص أخطأنا فى حقه. نؤجل الإعتذار. نؤجل مراجعة قرار مهم. نؤجل مواجهة مشكلة داخل الأسرة. نؤجل الإهتمام بالصحة. نؤجل ترتيب العمل. ثم نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن الشيء الصغير الذى تجاهلناه أصبح مشكلة كبيرة.
وهنا تكمن خطورة التأجيل. فهو لا يلغى المشكلة. هو يمنحها فرصة للنمو.
قد يتعامل الإنسان مع تسرب بسيط فى منزله على أنه أمر يمكن إصلاحه لاحقاً. ثم يتحول التسرب إلى تلف يحتاج إلى تكلفة أكبر. وقد يلاحظ الموظف خطأً فى إجراء إدارى بسيط. ثم يتركه حتى تتراكم فوقه إجراءات أخرى. وقد يعرف رب الأسرة أن هناك مشكلة تحتاج إلى حوار هادئ. لكنه يؤجل الحديث عنها حتى يصبح الحوار نفسه أكثر صعوبة. وقد يشعر إنسان بأن علاقته بصديق أو قريب تتغير. لكنه يفضل الصمت. ثم تمر الأيام وتتحول المسافة الصغيرة إلى جفاء يصعب علاجه.
إن المشكلة فى التأجيل ليست في مرور الوقت فقط. المشكلة فى أن الوقت يعمل أحياناً ضدنا.
كل مشكلة مؤجلة تحمل فى داخلها إحتمالاً للتضخم. وكل قرار مؤجل يستهلك جزءاً من طاقة الإنسان النفسية. وكل أمر معلق يظل موجوداً فى الخلفية. حتى لو حاول صاحبه إقناع نفسه بأنه نسيه.
ولهذا نجد الإنسان أحياناً يعيش وسط عدد كبير من الأمور غير المكتملة. رسالة لم يرد عليها. ورقة لم ينته منها. وعد لم ينفذه. قرار لم يحسمه. مشكلة لم يناقشها. عمل لم ينجزه. ثم يشعر بعد فترة بثقل غريب لا يعرف مصدره. والحقيقة أن جزءاً من هذا الثقل قد يكون نتيجة تراكم الأشياء المؤجلة.
المثير في الأمر أن الإنسان لا يؤجل دائماً لأنه كسول. أحياناً يؤجل لأنه خائف.
هناك من يخشى نتيجة القرار. وهناك من يخاف أن يتحمل مسؤولية الإختيار. وهناك من يفضل أن تظل الخيارات مفتوحة حتى لا يواجه إحتمال الخطأ. وهناك من يخشى المواجهة فيختار الصمت. وهناك من يخاف أن يبدأ مشروعاً لأنه لا يضمن نجاحه. فيؤجل البداية تحت مسميات كثيرة. ينتظر الوقت المناسب. ينتظر الظروف الأفضل. ينتظر أن يصبح أكثر إستعداداً. ثم يكتشف بعد سنوات أن الوقت المناسب الذى كان ينتظره لم يكن موجوداً أصلاً.
الخوف قد يرتدى ثوب الحكمة أحياناً. فيقول الإنسان لنفسه إنه يحتاج إلى مزيد من التفكير. لكنه فى الحقيقة قد يكون يبحث عن سبب جديد حتى لا يتحرك.
وهنا يجب أن نفرق بين التفكير والتأجيل. التفكير يقود إلى قرار. أما التأجيل فيعيد الإنسان إلى النقطة نفسها.
في بيئة العمل تظهر هذه الثقافة بصورة واضحة. فالمهمة الصغيرة التى يمكن إنجازها اليوم قد تتحول إلى مجموعة من المهام غداً. والإجراء الذى يحتاج إلى متابعة بسيطة قد يصبح أكثر تعقيداً بسبب تراكم الخطوات. والمشكلة ليست دائماً فى الموظف وحده. فبيئة العمل نفسها قد تكون سبباً فى البطء. وقد تكون الإجراءات كثيرة. وقد تتداخل الإختصاصات. وقد يحتاج الموظف إلى موافقات متعددة. وقد تكون بعض الأدوات أو الإمكانات غير متاحة.
لكن الإعتراف بهذه الأسباب لا يعنى أن التأجيل يجب أن يصبح ثقافة مقبولة.
هناك فرق بين التعطيل الذى تفرضه ظروف العمل. وبين أن يصبح التأجيل سلوكاً عادياً لا يشعر صاحبه بخطورته.
الموظف الذى يؤجل عملاً اليوم لأنه يستطيع إنجازه غداً. قد يجد غداً أمامه عملاً جديداً. ثم يأتى يوم ثالث بمهمة أخرى. وبعد فترة يصبح التراكم هو الوضع الطبيعى. وعندها لا يعود السؤال عن سبب التأخير فى مهمة واحدة. بل يصبح السؤال عن منظومة كاملة إعتادت أن تتحرك بعد فوات الوقت.
والأمر نفسه ينطبق على المواطن.
فالمواطن الذى يؤجل إنهاء إجراء ضرورى. أو يؤجل تقديم مستند مطلوب. أو ينتظر حتى اللحظة الأخيرة لإنهاء مصلحة يعلم موعدها مسبقاً. قد يجد نفسه أمام ضغط كان يمكن تجنبه. ثم يبدأ فى البحث عن شخص يلومه. مع أن جزءاً من المشكلة بدأ من قرار بسيط إتخذه هو. وهو قرار التأجيل.
إن تحمل المسؤولية لا يعنى تحميل المواطن كل الأخطاء. كما لا يعنى تحميل الموظف كل أسباب التعطيل. ولكنه يعنى أن ندرك أن المجتمع شبكة متصلة. وأن سلوك كل طرف يؤثر فى الطرف الآخر.
المواطن المتعجل الذى لا يجهز أوراقه فى موعدها يربك العمل. والموظف الذى يؤجل إنجاز ما يستطيع إنجازه يعطل مصالح الناس. والمسؤول الذى يترك مشكلة واضحة من دون متابعة يسمح لها بالتضخم. والمؤسسة التى لا تراجع إجراءاتها قد تصنع بطئاً يتكرر مع آلاف المواطنين.
وهكذا لا تعود المشكلة فردية. تتحول إلى دائرة مغلقة. كل طرف ينتظر الطرف الآخر. وكل طرف يجد مبرراً لتأجيل ما عليه. وفى النهاية يدفع الجميع الثمن.
الأخطر من ذلك أن التأجيل يمكن أن يتحول إلى عادة إجتماعية. والإنسان الذى يكرر السلوك نفسه مرات كثيرة يبدأ في إعتباره طبيعياً. وهنا تصبح مقاومة المشكلة أصعب. لأن الإنسان لا يرى السلوك مشكلة أصلاً.
نحن أحياناً لا نحتاج إلى شخص يمنعنا من التقدم. يكفى أن نؤجل خطوة واحدة كل يوم.
قد يقول شخص إنه سيبدأ غداً. ثم يأتى الغد ويقول الأسبوع المقبل. ثم يتحول الأسبوع إلى شهر. ثم يصبح الشهر عاماً. وبعد سنوات ينظر الإنسان إلى الوراء فيكتشف أن حياته لم تتوقف بسبب عائق كبير. لكنها تحركت ببطء شديد بسبب سلسلة طويلة من القرارات الصغيرة المؤجلة.
وهذا النوع من الخسارة هو الأصعب. لأن الإنسان لا يستطيع أن يشير إلى لحظة واحدة ويقول. هنا ضاعت الفرصة.
الفرص لا تضيع دائماً بضربة واحدة. بعضها يتآكل ببطء.
قد تكون فرصة عمل لم يتقدم إليها الإنسان فى موعدها. أو فكرة مشروع ظل يتحدث عنها دون أن يبدأ. أو دراسة كان يستطيع أن يواصلها ثم تركها إلى أجل غير معلوم. أو علاقة إنسانية كان يمكن إنقاذها بكلمة صادقة. أو قراراً كان يمكن أن يغير مسار حياته. وكل ذلك قد يبدو بسيطاً فى لحظته. لكن مجموع هذه الأشياء يصنع فى النهاية حياة مختلفة تماماً عن الحياة التى كان يمكن أن يعيشها الإنسان.
التأجيل أيضاً يسرق من الإنسان إحترامه لذاته.
فكل مرة يعد فيها نفسه بشيء ثم لا يفعله. تتكون داخله فجوة صغيرة بين ما يريد أن يكونه وما يفعله فعلاً. ومع تكرار الفجوة يبدأ الإنسان فى فقدان الثقة فى قدرته على الإلتزام. يقول سأفعل. لكنه يعرف فى داخله أنه قد يؤجل مرة أخرى.
ومن هنا تتحول المشكلة من تأجيل مهمة إلى إضعاف الإرادة.
الإنسان لا يبنى قوته بالكلام عن التغيير. يبنيها بالخطوات التى ينفذها. وكل خطوة صغيرة ينجزها فى موعدها تمنحه إحساساً بالقدرة. وكل مهمة يظل يؤجلها تمنحه سبباً جديداً للشك فى نفسه.
وفى العلاقات الإنسانية يصبح التأجيل أكثر قسوة.
هناك كلمات يجب أن تقال فى وقتها. وهناك إعتذارات تفقد جزءاً من قيمتها مع مرور السنوات. وهناك خلافات صغيرة لو نوقشت بهدوء لإنتهت. لكنها تكبر بالصمت. وهناك أشخاص ينتظرون كلمة تقدير من شخص قريب. لكن هذه الكلمة تتأجل حتى يصبح التعب أكبر من قدرة العلاقة على الإحتمال.
ليس كل شيء يمكن إصلاحه بعد فوات الوقت.
هذه حقيقة يجب أن نفهمها جيداً. فالوقت لا يعالج كل شيء. أحياناً يحتاج الأمر إلى شجاعة فى اللحظة المناسبة. والإعتذار الذى يأتى مبكراً قد ينقذ علاقة. أما الإعتذار بعد سنوات من القطيعة فقد يجد أمامه جداراً من الألم والذكريات.
ومن أخطر صور التأجيل أن يؤجل الإنسان مواجهة نفسه.
يعرف أنه أخطأ. لكنه يبحث عن مبررات. يعرف أنه يحتاج إلى تغيير. لكنه ينتظر الظروف. يعرف أن بعض عاداته تؤذيه. لكنه يقول إن الوقت لم يحن. يعرف أن هناك قراراً يجب إتخاذه. لكنه يفضل البقاء فى المنطقة الرمادية.
وهكذا يصبح الإنسان أحياناً أكثر إنشغالاً بتبرير عدم الحركة من التفكير فى الخطوة التى يجب أن يقوم بها.
المجتمع الذى يريد أن يتقدم يحتاج إلى ثقافة مختلفة. ثقافة ترى فى الوقت قيمة. وترى فى إنجاز العمل مسؤولية. وترى فى حل المشكلة مبكراً نوعاً من الحكمة. وترى أن المبادرة ليست إندفاعاً. وأن إتخاذ القرار بعد دراسة أفضل من الهروب الدائم من القرار.
نحن لا نحتاج إلى أن ننجز كل شيء فى لحظة واحدة. لكننا نحتاج إلى أن نعرف ما الذى يجب ألا نؤجله.
هناك أمور يمكن تأجيلها. وهناك أمور يصبح تأجيلها خسارة.
يمكن تأجيل أمر ثانوى. لكن لا ينبغى تأجيل ما يتعلق بحقوق الناس. ولا مصالحهم. ولا سلامتهم. ولا مستقبل الأسرة. ولا العلاقات التى تستحق الإنقاذ. ولا الفرص التى لها موعد محدد. ولا الأعمال التى يؤدى تأخيرها إلى تحميل الآخرين أعباء إضافية.
الحكمة ليست أن تفعل كل شيء فوراً. الحكمة أن تعرف ما الذى يحتمل الإنتظار. وما الذى لا يحتمله.
وقد يكون أول علاج لثقافة التأجيل أن يتعلم الإنسان سؤالاً بسيطاً قبل أن يؤجل أى أمر.
ماذا سيحدث إذا تركت هذا الأمر إلى الغد؟
إذا كانت الإجابة أن شيئاً لن يتغير. فقد يكون التأجيل مقبولاً. أما إذا كانت الإجابة أن المشكلة ستكبر. أو أن شخصاً آخر سيتحمل النتيجة. أو أن فرصة قد تضيع. أو أن التكلفة سترتفع. أو أن العلاقة ستزداد سوءاً. فهنا يصبح التأجيل قراراً له ثمن.
وهذا الوعى لا يحتاج إلى شعارات كبيرة. يحتاج إلى ممارسة يومية.
أن تنجز ما تستطيع إنجازه اليوم. أن تعتذر فى الوقت المناسب. أن تواجه المشكلة قبل أن تتضخم. أن تتابع العمل قبل أن يتراكم. أن تتخذ القرار بعد التفكير. أن تتوقف عن إنتظار الظروف المثالية. وأن تدرك أن الحياة نفسها لا تنتظر أحداً.
إن أخطر ما فى ثقافة التأجيل أنها تمنح الإنسان شعوراً مؤقتاً بالراحة. لكن هذه الراحة قد تكون مجرد فاتورة مؤجلة.
نؤجل اليوم حتى نشعر بالراحة. ثم ندفع غداً ثمناً أكبر. نؤجل المواجهة حتى نتجنب التوتر. ثم نواجه أزمة أشد. نؤجل العمل حتى نرتاح. ثم نجد أنفسنا أمام تراكم مرهق. نؤجل القرار خوفاً من الخطأ. ثم نكتشف أن عدم القرار كان فى حد ذاته قراراً.
لا يصنع الإنسان حياته من القرارات الكبيرة وحدها. حياته تتشكل من آلاف القرارات الصغيرة التى يتخذها كل يوم. ومن بين هذه القرارات قرار بسيط قد لا ننتبه إلى خطورته.
هل أفعل الآن. أم أؤجل؟
قد تبدو الإجابة عادية. لكنها أحياناً ترسم جزءاً من المستقبل.
لذلك فإن مواجهة ثقافة التأجيل لا تعنى أن نعيش فى إستعجال دائم. ولا تعنى أن نتصرف بلا تفكير. بل تعنى أن نحترم الوقت. ونحترم مسؤولياتنا. ونحترم حقوق الآخرين. وأن نمتلك الشجاعة الكافية لنعالج المشكلة فى حجمها الصغير قبل أن تتحول إلى أزمة كبيرة.
فالمشكلة التي نملك شجاعة مواجهتها اليوم. قد تكون مجرد موقف عابر.
أما المشكلة التي نصر على تأجيلها. فقد تصبح غداً جزءاً من حياتنا.
