حَطَبُ التَّارِيخِ... مَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَ مَجْدِ الآخَرِينَ؟
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
لَيْسَ التَّارِيخُ دَائِمًا ذَلِكَ الْكِتَابَ الْهَادِئَ الَّذِي نَفْتَحُهُ فِي الْمَكْتَبَاتِ، فَنَجِدُ فِيهِ أَسْمَاءَ الْمُلُوكِ وَالْقَادَةِ، وَتَوَارِيخَ الْمَعَارِكِ، وَصُوَرَ الِانْتِصَارَاتِ، وَمَرَاثِيَ الْعُرُوشِ. فَخَلْفَ كُلِّ صَفْحَةٍ مُضِيئَةٍ فِي كِتَابِ التَّارِيخِ، هُنَاكَ فِي الْغَالِبِ ظِلٌّ طَوِيلٌ لِأُنَاسٍ لَمْ تُسْعِفْهُمْ الْقُوَّةُ عَلَى كِتَابَةِ أَسْمَائِهِمْ.
يَمْضِي قِطَارُ الزَّمَنِ، وَتَدُورُ عَجَلَةُ التَّارِيخِ، وَتَتَبَدَّلُ الرَّايَاتُ وَالْأَعْلَامُ وَالْعُرُوشُ، وَيَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي نَادِرًا مَا نَتَوَقَّفُ لِنَسْأَلَهُ:
مَنْ دَفَعَ ثَمَنَ كُلِّ هَذَا الْمَجْدِ؟
مَنْ دَفَعَ ثَمَنَ الإقامات الَّذِي بُنِيَ بِعَرَقِ الْفُقَرَاءِ؟
مَنْ دَفَعَ ثَمَنَ الْحَدِّ الَّذِي رُسِمَ عَلَى الْخَرِيطَةِ؟
مَنْ دَفَعَ ثَمَنَ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي سُمِّيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ «انْتِصَارًا»؟
وَمَنْ دَفَعَ ثَمَنَ الْحُلْمِ الَّذِي كَتَبَ اسْمَ صَاحِبِهِ بِمَاءِ الذَّهَبِ، بَيْنَمَا كُتِبَتْ أَسْمَاءُ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ أَجْلِهِ بِالْحِبْرِ الْبَاهِتِ؟
هُنَا يَبْدَأُ حَدِيثُ حَطَبِ التَّارِيخِ.
لَيْسَ حَطَبُ التَّارِيخِ هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَتَصَدَّرُ أَسْمَاؤُهُمْ الْمَشَاهِدَ، وَلَا الَّذِينَ تُنْصَبُ لَهُمُ التَّمَاثِيلُ فِي السَّاحَاتِ، وَلَا الَّذِينَ تُرَفْرِفُ الرَّايَاتُ فَوْقَ قُبُورِهِمْ. حَطَبُ التَّارِيخِ هُمْ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ احْتَرَقُوا لِيَضِيءَ الْمَشْهَدُ لِغَيْرِهِمْ.
هُمْ الْجُنُودُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ وَفِي قُلُوبِهِمْ صُوَرُ أُمَّهَاتٍ وَزَوْجَاتٍ وَأَطْفَالٍ، ثُمَّ دَخَلُوا الْمَعْرَكَةَ لِيَخْرُجَ مِنْهَا بَعْضُهُمْ فِي تَابُوتٍ، وَيَخْرُجَ مِنْهَا آخَرُونَ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ أَبْطَالًا.
هُمْ الْفَلَّاحُونَ الَّذِينَ تُدَمَّرُ حُقُولُهُمْ، وَالْعُمَّالُ الَّذِينَ تُسْتَنْزَفُ أَعْمَارُهُمْ، وَالْأُمَّهَاتُ اللَّاتِي يَتَعَلَّمْنَ لُغَةَ الِانْتِظَارِ، وَالْمُهَجَّرُونَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مَفَاتِيحَ بُيُوتٍ لَمْ يَعُدْ لَهَا أَبْوَابٌ، وَالْأَطْفَالُ الَّذِينَ يَكْبَرُونَ قَبْلَ أَوَانِهِمْ لِأَنَّ الْحَرْبَ سَرَقَتْ مِنْهُمْ طُفُولَتَهُمْ.
هَؤُلَاءِ لَا يَحْمِلُونَ فِي التَّارِيخِ سَيْفًا، وَلَا قَلَمًا، وَلَا مَنْبَرًا، وَلَكِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَثْقَلَ مَا فِي التَّارِيخِ:
ثَمَنَهُ.
لَيْسَ كُلُّ مَنْ مَاتَ حَطَبًا
وَمَعَ ذَلِكَ، فَلْنَكُنْ عَادِلِينَ.
لَيْسَ كُلُّ مَنْ مَاتَ فِي مَعْرَكَةٍ حَطَبًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّمَ تَضْحِيَةً ضَحِيَّةً لِطُمُوحِ غَيْرِهِ. فَثَمَّةَ مَنْ اخْتَارَ التَّضْحِيَةَ وَهُوَ يَعْرِفُ ثَمَنَهَا، وَثَمَّةَ مَنْ دَافَعَ عَنْ أَرْضٍ أَوْ أُسْرَةٍ أَوْ كَرَامَةٍ أَوْ مَبْدَإٍ آمَنَ بِهِ.
وَالْفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يُضَحِّيَ، وَبَيْنَ مَنْ يُصْنَعُ لِيَكُونَ قَابِلًا لِلِاحْتِرَاقِ.
فَأَخْطَرُ أَنْوَاعِ السُّلْطَةِ لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي تَأْمُرُكَ بِالْمَوْتِ فَقَطْ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تَجْعَلُكَ تَذْهَبُ إِلَى الْمَوْتِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تَذْهَبُ إِلَى الْمَجْدِ.
هُنَا تَبْدَأُ صِنَاعَةُ الضَّحِيَّةِ.
كَيْفَ تُصْنَعُ الضَّحِيَّةُ؟
لَا تُصْنَعُ الضَّحِيَّةُ دَائِمًا بِالسَّلَاسِلِ وَالْعَصِيِّ وَالزَّنَازِينِ.
أَحْيَانًا تُصْنَعُ بِالْكَلِمَةِ.
يُقَالُ لِلْفَقِيرِ: «أَنْتَ تُقَدِّمُ نَفْسَكَ مِنْ أَجْلِ الْوَطَنِ.»
وَيُقَالُ لِلْجُنْدِيِّ: «أَنْتَ تَصْنَعُ الْمَجْدَ.»
وَيُقَالُ لِلشَّعْبِ: «اصْبِرُوا، فَالْمَجْدُ قَرِيبٌ.»
وَيُقَالُ لِلْأُمِّ الَّتِي فَقَدَتْ ابْنَهَا: «ابْتَسِمِي، فَابْنُكِ بَطَلٌ.»
وَرُبَّمَا كَانَ ابْنُهَا بَطَلًا فِعْلًا، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَبْقَى مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ هُوَ:
مَنْ سَأَلَهُ إِنْ كَانَ يَرْضَى أَنْ يَمُوتَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَجْدِ؟
إِنَّ تَحْوِيلَ الْمَوْتِ إِلَى شِعَارٍ قَدْ يَكُونُ أَسْهَلَ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ بَعْضَ الْمَوْتِ كَانَ يُمْكِنُ تَجَنُّبُهُ.
وَهُنَا يَظْهَرُ وَجْهٌ آخَرُ لِصِنَاعَةِ الضَّحَايَا:
تَجْمِيلُ مَا لَا يَجِبُ تَجْمِيلُهُ.
حِينَ يَحْتَكِرُ الْمُنْتَصِرُ الْمَجْدَ
لَيْسَ الْمُنْتَصِرُ هُوَ مَنْ يَرْبَحُ الْمَعْرَكَةَ فَقَطْ.
أَحْيَانًا يَكُونُ الْمُنْتَصِرُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ مَطْبَعَةً وَأَرْشِيفًا وَمَنْبَرًا وَمِيكْرُوفُونًا.
فَمَنْ يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى كِتَابَةِ الرِّوَايَةِ، يَمْلِكُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَشْكِيلِ ذَاكِرَةِ الْأَجْيَالِ.
وَهُنَا يَكْمُنُ أَحَدُ أَخْطَرِ أَسْرَارِ التَّارِيخِ:
لَا يَكْفِي أَنْ تَنْتَصِرَ فِي الْمَيْدَانِ؛ يَجِبُ أَنْ تَنْتَصِرَ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ.
لِذَلِكَ قَدْ نَقْرَأُ تَارِيخًا فِيهِ أَلْفُ اسْمٍ لِقَادَةٍ وَمَلِكٍ وَفَاتِحٍ، وَلَا نَجِدُ إِلَّا نَزْرًا يَسِيرًا مِنْ أَسْمَاءِ الَّذِينَ حَمَلُوا الْحِجَارَةَ، وَحَفَرُوا الْخَنَادِقَ، وَزَرَعُوا الْحُقُولَ، وَدَفَنُوا الْمَوْتَى، وَحَمَلُوا الْمَدَافِعَ، وَنَزَفُوا فِي صَمْتٍ.
لِأَنَّ التَّارِيخَ الَّذِي تَكْتُبُهُ السُّلْطَةُ قَدْ يَحْتَفِي بِمَنْ أَصْدَرَ الْأَمْرَ، أَكْثَرَ مِمَّنْ دَفَعَ ثَمَنَهُ.
فَيَكْبُرُ اسْمُ الْقَائِدِ، وَتَصْغُرُ أَسْمَاءُ الْجُنُودِ.
يُحْفَظُ اسْمُ الْمَلِكِ، وَتَضِيعُ أَسْمَاءُ الْأُمَّهَاتِ.
تُرْفَعُ رَايَةُ الْفَاتِحِ، وَتُدْفَنُ أَحْلَامُ الْمَهْزُومِينَ.
وَتَتَحَوَّلُ الْمَقَابِرُ إِلَى هَامِشٍ، بَيْنَمَا يَتَحَوَّلُ الْمَنْتَصِرُ إِلَى عُنْوَانٍ.
التَّارِيخُ لَا يَنْسَى فَقَطْ... بَلْ يُعِيدُ تَرْتِيبَ الذَّاكِرَةِ
وَلَكِنَّ الظُّلْمَ التَّارِيخِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي النِّسْيَانِ وَحْدَهُ.
فَقَدْ يَكُونُ الْأَخْطَرُ أَنْ نَتَذَكَّرَ الْمَاضِيَ بِطَرِيقَةٍ تُرِيدُ لَنَا السُّلْطَةُ أَنْ نَتَذَكَّرَهُ بِهَا.
فَالتَّارِيخُ لَا يُمْحَى دَائِمًا؛ أَحْيَانًا يُعَادُ تَرْتِيبُهُ.
يُضَخَّمُ مَنْ يَجِبُ تَضْخِيمُهُ.
وَيُصَغَّرُ مَنْ يَجِبُ تَصْغِيرُهُ.
وَيُسْكِتُ مَنْ يَجِبُ إِسْكَاتُهُ.
وَيُرْفَعُ مَنْ يَخْدُمُ الرِّوَايَةَ.
وَبَيْنَ السُّطُورِ يَضِيعُ الْإِنْسَانُ.
وَهُنَا لَا يَكُونُ السُّؤَالُ:
مَنْ انْتَصَرَ؟
بَلْ:
مَنْ كَتَبَ مَا حَدَثَ؟
وَ:
مَنْ مُنِعَ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ؟
الْمَقْبَرَةُ أَحْيَانًا أَصْدَقُ مِنَ الْخُطَبِ
قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ خُطَبٌ كَثِيرَةٌ تَحْدُثُ عَنِ الْمَجْدِ، وَقَدْ تَكُونُ هُنَاكَ أَعْلَامٌ وَأَوْسِمَةٌ وَأَنْوَاطٌ وَأَنْصِبَةٌ تَذْكِرِيَّةٌ.
وَلَكِنَّ هُنَاكَ أَيْضًا قُبُورًا لَا تَتَكَلَّمُ.
وَفِي صَمْتِهَا قِصَصٌ قَدْ تَكُونُ أَصْدَقَ مِنْ كُلِّ الْخُطَبِ.
فَالْأَرْضُ لَا تَسْأَلُ الْمَيِّتَ: مَنْ كُنْتَ؟
وَلَا تَسْأَلُهُ: إِلَى أَيِّ فَرِيقٍ كُنْتَ تَنْتَمِي؟
إِنَّهَا تَحْفَظُ الْجَسَدَ فَقَطْ.
وَكَأَنَّهَا تَقُولُ لَنَا:
كَانَ هُنَا إِنْسَانٌ.
لَا قَائِدًا.
لَا جُنْدِيًّا.
لَا مَنْتَصِرًا.
لَا مَهْزُومًا.
فَقَطْ:
إِنْسَانًا.
وَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ أَعْظَمَ حَقِيقَةٍ يَسْعَى التَّارِيخُ إِلَى إِخْفَائِهَا حِينَ يَتَحَوَّلُ إِلَى صِرَاعٍ عَلَى الْمَجْدِ.
لَيْسَ الْمَجْدُ فِي كَثْرَةِ الرَّمَادِ
مَا أَكْثَرَ مَنْ ظَنُّوا أَنَّ عَظَمَةَ الدُّوَلِ تُقَاسُ بِعَدَدِ الْحُرُوبِ الَّتِي خَاضَتْهَا، وَأَنَّ قُوَّةَ الْقَائِدِ تُقَاسُ بِعَدَدِ الْجَمَاجِمِ الَّتِي خَلَّفَهَا خَلْفَهُ، وَأَنَّ الْمَجْدَ يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى نَارٍ كَبِيرَةٍ.
وَلَكِنَّ الْحَضَارَةَ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى الْإِنْسَانِ وَقُودًا لِتُثْبِتَ عَظَمَتَهَا، تَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةِ مَعْنَى الْعَظَمَةِ نَفْسِهِ.
فَلَيْسَ أَعْظَمُ الْقَادَةِ مَنْ أَحْرَقَ أَكْبَرَ مَسَاحَةٍ.
وَلَيْسَ أَعْظَمَ الْأَنْظِمَةِ مَنْ أَطَالَ قَائِمَةَ الضَّحَايَا.
وَلَيْسَ أَعْظَمَ الْأُمَمِ مَنْ تَرَكَ خَلْفَهُ أَكْبَرَ مَقْبَرَةٍ.
الْمَجْدُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي إِشْعَالِ النَّارِ، بَلْ فِي أَنْ تَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِطْفَائِهَا.
فَمَنْ يَمْلِكُ الْمَجْدَ حِينَ يَذْهَبُ الْحَطَبُ؟
سَيَذْهَبُ الْقَائِدُ.
سَيَذْهَبُ الْمَلِكُ.
سَيَذْهَبُ الْفَاتِحُ.
سَتَتَسَاقَطُ الْعُرُوشُ.
سَتَتَغَيَّرُ الْخَرَائِطُ.
سَتَصْدَأُ السُّيُوفُ.
وَسَتَتَغَيَّرُ اللُّغَاتُ الَّتِي نَكْتُبُ بِهَا أَسْمَاءَ الْمَعَارِكِ.
وَلَكِنَّ سُؤَالَ الضَّحِيَّةِ سَيَبْقَى:
لِمَاذَا كُنْتُ أَنَا الثَّمَنَ؟
وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا السُّؤَالُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَحْمِلَهُ مَعَنَا إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
لَا لِنَكْرَهَ التَّارِيخَ، بَلْ لِنَتَعَلَّمَ مِنْهُ.
لَا لِنَمْحُوَ الْمَجْدَ، بَلْ لِنُعِيدَ تَعْرِيفَهُ.
لَا لِنَحْرِمَ الْإِنْسَانَ مِنْ حَقِّهِ فِي التَّضْحِيَةِ، بَلْ لِنَحْمِيَهُ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةٍ فِي يَدِ مَنْ يَحْتَكِرُ الْقَرَارَ وَيَحْتَكِرُ بَعْدَهَا الرِّوَايَةَ.
لِأَنَّ أَخْطَرَ مَا فِي التَّارِيخِ لَيْسَ أَنْ يَحْتَرِقَ الْحَطَبُ.
بَلْ أَنْ نَتَعَلَّمَ، بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ الرَّمَادِ، كَيْفَ نُقَنِّعُ أَنْفُسَنَا أَنَّ الْحَرِيقَ كَانَ مَجْدًا.
فَإِذَا كَانَ لِلتَّارِيخِ دَرْسٌ وَاحِدٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ نَحْفَظَهُ، فَلَعَلَّهُ هَذَا:
لَا تَنْظُرْ إِلَى النَّارِ فَقَطْ، وَاسْأَلْ عَمَّنْ أَشْعَلَهَا.
وَلَا تَنْظُرْ إِلَى الْمَجْدِ فَقَطْ، وَاسْأَلْ عَمَّنْ دَفَعَ ثَمَنَهُ.
وَلَا تَقْرَأْ مَا كَتَبَهُ الْمُنْتَصِرُ وَحْدَهُ؛ فَابْحَثْ عَمَّنْ لَمْ يُمْنَحْ فُرْصَةَ الْكِتَابَةِ.
فَرُبَّمَا كَانَتْ أَصْدَقُ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ هِيَ تِلْكَ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ.
وَرُبَّمَا كَانَ أَكْبَرُ انْتِصَارٍ لِلْإِنْسَانِيَّةِ أَنْ نَصِلَ يَوْمًا إِلَى زَمَنٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ الْمَجْدُ إِلَى حَطَبٍ.
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يُخْلَقْ لِيَكُونَ وَقُودًا لِطُمُوحَاتِ الْعُرُوشِ.
وَلَمْ يُخْلَقْ لِيَكُونَ رَقْمًا فِي سِجِلِّ الْمَعَارِكِ.
وَلَمْ يُخْ
لَقْ لِيَكُونَ جُسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إِلَى الْمَجْدِ.
الْإِنْسَانُ لَيْسَ حَطَبَ التَّارِيخِ.
وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ لِلتَّارِيخِ مِنْ نَارٍ، فَلْتَكُنْ نَارَ الْوَعْيِ، لَا نَارَ الْإِنْسَانِ
