الدَّارُ البَيْضَاءُ: وَهَلْ يَكُونُ الغُولُ أَبْيَضَ؟
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
وَاحَةُ الوَهْمِ الأَبْيَضِ... حِينَ تَنْكَسِرُ المَرْآةُ وَيَظْهَرُ وَجْهُ المَدِينَةِ الآخَرُ
واحة الوهم الأبيض
تَصَوَّرْ، أيُّها القادمُ من بعيد، أنَّك تقفُ على عتبةِ مدينةٍ لا يدخلُها الصباحُ كما يدخلُ سائرَ المدن، بل ينسابُ إليها من جهةِ البحرِ كأنَّه سرٌّ من أسرارِ الخلقِ الأوَّل؛ مدينةً تخرجُ من زرقةِ الأطلسيِّ مضمَّخةً برائحةِ الملحِ والضوء، وتستقبلُ النهارَ بواجهاتٍ بيضاءَ تتلقَّى الشمسَ كما تتلقَّى المرايا رسائلَ السماء.
تَصَوَّرْ أنَّ اسمَها، قبلَ أن تراها، قد رسمَها في مخيِّلتِكَ لوحةً من الطُّهرِ والصفاءِ؛ الدارُ البيضاء... اسمٌ يبدو كأنَّه وعدٌ معماريٌّ بالسكينة، وعهدٌ جماليٌّ بأنَّ الجدرانَ التي اكتستْ هذا اللونَ لا بدَّ أن تكونَ قد تعلَّمتْ شيئًا من صفاءِ الروح.
تَصَوَّرْها مدينةً تتعانقُ فيها زرقةُ البحرِ مع بياضِ البنايات، وتتمايلُ شوارعُها تحتَ الضوءِ كأنَّها أشرطةٌ من حرير، وتنتصبُ عماراتُها في الأفقِ مثلَ مناراتٍ مدنيَّةٍ تُعلنُ أنَّ الإنسانَ قادرٌ على أن يصنعَ من الحجرِ مستقبلًا، ومن الإسمنتِ مأوى، ومن الحركةِ الاقتصاديةِ حياةً تتَّسعُ للأحلام.
تَصَوَّرْها، في مخيِّلةِ القادمِ إليها، مدينةً لا تستقبلُ الغريبَ باعتباره عابرًا في جغرافيا مجهولة، بل باعتباره احتمالًا جديدًا للحياة؛ مدينةً تفتحُ أبوابَها لمن أرهقَتهُ القرى، ولمن ضاقتْ بهِ المدنُ الصغيرة، ولمن جاءَ يحملُ في حقيبتِهِ شهادةً أو حرفةً أو مشروعًا أو مجرَّدَ أملٍ لم يجدْ لهُ في مكانٍ آخرَ تربةً صالحةً للنمو.
تَصَوَّرْ أنَّ اسمَها يهمسُ في أذنِكَ بما لا تقولهُ المدنُ الأخرى: هنا يمكنُ أن تبدأَ من جديد؛ هنا قد تجدُ عملًا، أو مسكنًا، أو رفقةً، أو فرصةً، أو نافذةً تُطلُّ منها على غدٍ أقلَّ قسوةً من أمسِكَ البعيد.
وفي المخيِّلةِ الحالمة، تبدو الدارُ البيضاءُ كأنَّها واحةٌ مدنيَّةٌ في قلبِ صحراءِ المتاعب؛ مدينةٌ يلتقي فيها البحرُ بالاقتصاد، والحداثةُ بالحركة، والفرصُ بالأحلام، ويجدُ فيها المتعبُ ما يخفِّفُ عنهُ وطأةَ الطريق.
بل إنَّ الاسمَ نفسَهُ قد يغدو، في لحظةِ التلقِّي الأولى، أكثرَ من اسمٍ لمكان؛ يغدو مجازًا عن النجاة.
فما الذي يمكنُ أن يكونَ أكثرَ طمأنينةً من دارٍ بيضاء؟ وما الذي يمكنُ أن يكونَ أكثرَ إغراءً من مدينةٍ يبدو اسمُها، قبلَ أن تطأَ أرضَها، وكأنَّهُ يَعِدُكَ بأنَّ الحياةَ فيها قد غسلتْ وجهَها من غبارِ القسوة؟
هكذا قد تُبنى الصورةُ الأولى: بياضٌ يسبقُ الرؤية، ووعدٌ يسبقُ التجربة، واسمٌ ينسجُ حولَ المكانِ هالةً من الأمان.
لكنَّ المدنَ الكبرى لا تُقاسُ بأسمائِها، ولا تُحاكَمُ بواجهاتِها، ولا تُعرَفُ حقيقتُها من اللونِ الذي يراهُ العابرُ على جدرانِها.
فالمدينةُ ليستْ ما تقولهُ عن نفسِها، ولا ما يُقالُ عنها في البطاقاتِ السياحية، ولا ما ترسمُهُ المخيِّلةُ قبلَ الوصول.
المدينةُ، في حقيقتِها، هي ما يعيشهُ الناسُ داخلَها.
وهنا تبدأُ الحكايةُ الأخرى.
الرَّجَّةُ المُفْزِعَةُ — سُقُوطُ الأقْنِعَةِ وَوَقْعُ الصَّدْمَةِ
استيقظْ أيُّها الحالم!
فليسَ كلُّ بياضٍ دليلَ صفاء، ولا كلُّ واجهةٍ مضيئةٍ شهادةَ عافية، ولا كلُّ مدينةٍ تلمعُ من بعيدٍ قادرةً على أن تمنحَ الداخلَ إليها ما وعدَهُ بهِ اسمُها.
ما إن تطأُ قدماكَ عتبةَ الدارِ البيضاء، وتغادرُ المسافةَ التي تفصلُ المخيِّلةَ عن التجربة، حتى تبدأَ الصورةُ في التصدُّع. لا لأنَّ المدينةَ خاليةٌ من الجمال، ولا لأنَّ البحرَ قد فقدَ زرقتَه، ولا لأنَّ البياضَ المعماريَّ قد صارَ كذبةً في ذاته؛ بل لأنَّ الجمالَ الظاهرَ لا يكفي وحدَهُ لإخفاءِ ما يعتملُ في العمقِ من اختلالات.
هناك، في قلبِ الحركةِ اليومية، قد يجدُ القادمُ نفسَهُ أمامَ مدينةٍ أخرى؛ مدينةٍ لا تشبهُ تمامًا تلكَ التي رسمَها الاسمُ في ذهنِه. مدينةٍ تتجاورُ فيها مظاهرُ الحداثةِ مع مشاهدِ الهشاشة، وتلتقي فيها الثروةُ مع الحرمان، وتتقاطعُ فيها فرصُ الصعودِ مع أشكالٍ قاسيةٍ من الإقصاءِ والتهميش.
وفجأةً، تنقلبُ الرؤيةُ رأسًا على عقب؛ لا بزاويةٍ هندسيةٍ فحسب، بل بصدمةٍ تمسُّ الوجدانَ والعقلَ معًا.
مئةٌ وثمانونَ درجةٍ من الانقلابِ في الصورة.
فما كانَ يبدو واحةً مكتملةَ الطمأنينة، يظهرُ باعتباره مدينةً مثقلةً بتناقضاتٍ لا يمكنُ لطلاءِ الواجهاتِ أن يحجبَها إلى الأبد.
وهنا، لا يعودُ السؤالُ عن لونِ المدينةِ سؤالًا عن الطلاء، بل عن المسافةِ الفاصلةِ بين ما توحي بهِ الأسماءُ وما تفرضُهُ الوقائع.
الدارُ البيضاءُ، في هذه اللحظةِ النقدية، ليستْ مجردَ مدينةٍ بيضاءَ اكتُشفَ أنَّها أقلُّ بياضًا مما يُظن؛ إنَّها مرآةٌ مكسورة، تعكسُ صورًا متعدِّدةً لواقعٍ حضريٍّ شديدِ التعقيد، تتناثرُ شظاياها بينَ من يراها مدينةَ الفرص، ومن يراها مدينةَ العجز، ومن يراها مرفأً للنجاة، ومن يراها فضاءً يوميًّا لمقاومةِ الخوفِ والضغطِ والحرمان.
الغولُ الذي يختبئُ خلفَ الواجهة
خلفَ الأبراجِ الشاهقة، وحركةِ المالِ والأعمال، والمراكزِ التجاريةِ التي لا تهدأ، والطرقاتِ التي تحملُ على أكتافِها إيقاعَ الاقتصادِ الوطني، يبرزُ سؤالٌ لا ينبغي أن يُدفنَ تحتَ الإسمنت:
ما الذي يحدثُ حين تتقدَّمُ واجهةُ المدينةِ أسرعَ من قدرتِها على ضمانِ العيشِ الكريمِ لسكانِها؟
فالجريمةُ والاعتداءاتُ، حين تتكرَّرُ في الحياةِ اليومية، لا تعودُ مجرَّدَ أخبارٍ عابرةٍ في صفحاتِ الحوادث؛ إنَّها تتحوَّلُ إلى جرحٍ في الإحساسِ العامِّ بالأمان، وإلى عاملٍ يعيدُ تشكيلَ علاقةِ الإنسانِ بالشارعِ والليلِ والحيِّ والفضاءِ العمومي.
حينَ يخشى المواطنُ طريقَهُ، أو يتردَّدُ في استعمالِ فضاءٍ عامٍّ، أو يشعرُ أنَّ بعضَ مظاهرِ العنفِ قد صارتْ جزءًا من المشهدِ المعتاد، فإنَّ الأمرَ لا يتعلَّقُ فقط بواقعةٍ جنائيةٍ منفردة، بل بسؤالٍ أوسع:
هل تنجحُ المدينةُ في حمايةِ حقِّ الإنسانِ في أن يعيشَ دونَ خوف؟
وهذا السؤالُ لا يُجابُ عنهُ بالإنكارِ ولا بالتجميلِ ولا بالتخويفِ وحدَه؛ بل يحتاجُ إلى قانونٍ فعَّال، ومؤسساتٍ يقظة، وعدالةٍ ناجزة، وشرطةٍ مهنية، وفضاءاتٍ حضريةٍ مصمَّمةٍ بما يقلِّلُ فرصَ الجريمة، وسياساتٍ اجتماعيةٍ لا تتركُ الهشاشةَ تتكاثرُ في الظل.
فالغولُ الحقيقيُّ ليسَ في لونِ البشرة، ولا في أصلِ القادم، ولا في اسمِ الحيِّ وحدَه.
الغولُ هو حين تتراكمُ الاختلالاتُ حتى تصبحَ المدينةُ عاجزةً عن حمايةِ إنسانِها، أيًّا كانَ أصلُهُ أو لغتُهُ أو طبقتهُ أو مكانُ ولادتِه.
المدينةُ التي تضيقُ بسكّانِها — الهجرةُ الداخليَّةُ وتحولاتُ المجال
لم تولدْ أزمةُ الدارِ البيضاءِ اليومَ مع موجاتِ الهجرةِ العابرةِ للحدود؛ فالمدينةُ عرفتْ، منذُ عقود، تحوُّلاتٍ سكانيَّةً عميقةً ارتبطتْ بالهجرةِ القرويَّة، وبحثِ الناسِ عن العملِ والخدماتِ والتعليمِ والعلاجِ والفرصِ التي تتركَّزُ في المراكزِ الحضريةِ الكبرى.
لقد أعادتْ هذه الهجرةُ تشكيلَ أطرافِ المدينةِ، ووسَّعتْ رقعتَها العمرانيَّة، ورفعتْ الضغطَ على السكنِ والنقلِ والماء والكهرباءِ والمدارسِ والمستشفياتِ وسوقِ الشغل.
لكنَّ المشكلةَ لا تكمنُ في أنَّ الناسَ غادروا قراهم بحثًا عن حياةٍ أفضل؛ فذلكَ جزءٌ من تاريخِ التحضُّرِ نفسه. المشكلةُ تكمنُ في الفجوةِ بين سرعةِ التدفُّقِ البشريِّ وسرعةِ الاستعدادِ المؤسسيِّ لاستيعابِه.
حينَ تنموُ المدينةُ أسرعَ من بنيتِها التحتية، وحينَ تتوسَّعُ الأحياءُ أسرعَ من الخدمات، وحينَ يصبحُ السكنُ سلعةً تتجاوزُ قدرةَ فئاتٍ واسعةٍ من السكان، فإنَّ المدينةَ تبدأُ في إنتاجِ أشكالٍ جديدةٍ من التهميش.
وهنا لا يعودُ الاكتظاظُ مجرَّدَ عددٍ من الأشخاصِ في مساحةٍ محدَّدة؛ بل يصبحُ ضغطًا على جودةِ الحياة، وعلى العدالةِ المجالية، وعلى قدرةِ الإنسانِ على أن يجدَ مكانًا لائقًا داخلَ المدينة.
التحوُّلُ الديموغرافيُّ الجديد — من محطَّةِ عبورٍ إلى سؤالِ الاستقرار
ثمَّةَ تحوُّلٌ آخرُ يستحقُّ أن يُقرأَ بجديةٍ وهدوءٍ، لا بالتجاهلِ ولا بالتهويل: الحضورُ المتزايدُ لمهاجرينَ من دولِ إفريقيا جنوبَ الصحراءِ، وما رافقَهُ من تحوّلاتٍ في مساراتِ الهجرةِ والاستقرارِ داخلَ المغرب.
فقد كانتِ الدارُ البيضاءُ، بالنسبةِ إلى بعضِ المهاجرين، محطةً ضمنَ طريقٍ أطولَ نحوَ أوروبا؛ غيرَ أنَّ تعقُّدَ المساراتِ والحدودِ والظروفِ الاقتصاديةِ والقانونيةِ جعلَ بعضَ هؤلاءِ يجدونَ أنفسَهم في إقامةٍ أطولَ مما توقَّعوا، أو في استقرارٍ لم يكنْ جزءًا من مخطَّطِهم الأوَّل.
وهنا تحوَّلتِ المدينةُ إلى فضاءٍ جديدٍ للتفاوضِ مع أسئلةٍ لم تكنْ مطروحةً بالحدةِ نفسها من قبل:
كيفَ تُدارُ التحوُّلاتُ الديموغرافيةُ في مدينةٍ تعاني أصلًا ضغطًا على السكنِ والخدمات؟
كيفَ يُنظَّمُ سوقُ العملِ بما يمنعُ الاستغلالَ والاقتصادَ الهشَّ؟
كيفَ تُحمى الأحياءُ من الجريمةِ دونَ تحويلِ الفقرِ أو الهجرةِ إلى تهمةٍ جماعية؟
كيفَ تُطبَّقُ القوانينُ على الجميعِ بعدالةٍ ووضوح؟
كيفَ تُوفَّرُ شروطُ الاندماجِ لمن يستقرُّ، وتُدارُ مساراتُ العبورِ والإقامةِ بما يحفظُ سيادةَ القانونِ وكرامةَ الإنسانِ معًا؟
هذه ليستْ أسئلةً هامشية؛ إنَّها أسئلةُ مدينةٍ تتغيَّرُ تحتَ ضغطِ الاقتصادِ والهجرةِ والتحضُّرِ والعولمة.
لكنَّ الخطأَ الذي ينبغي أن نتجنَّبَهُ هو أن نجعلَ المهاجرَ نفسَهُ هو الغول.
فالمهاجرُ قد يكونُ عاملًا، أو طالبًا، أو أبًا، أو أمًّا، أو إنسانًا هاربًا من الفقرِ أو الحربِ أو انسدادِ الأفق. وقد يكونُ أيضًا جزءًا من اقتصادٍ هشٍّ يستغلُّ ضعفَهُ، أو ضحيةً لشبكاتِ الاتجارِ بالبشر، أو شخصًا يعيشُ في ظروفٍ لا تليقُ بكرامتِه.
وفي المقابل، فإنَّ وجودَ مشكلاتٍ أمنيةٍ أو اجتماعيةٍ مرتبطةٍ ببعضِ مظاهرِ الهجرةِ غيرِ المنظَّمة لا يعني أنَّ كلَّ مهاجرٍ مصدرُ خطر، ولا أنَّ الانتماءَ إلى منطقةٍ جغرافيةٍ يفسِّرُ الجريمةَ أو يبرِّرُ التعميم.
إنَّ المدينةَ العاقلةَ لا تختارُ بين الأمنِ والكرامة، ولا بين القانونِ والرحمة؛ بل تجعلُ القانونَ أداةً لحمايةِ الاثنين.
والصرامةُ التي نحتاجُ إليها ليستْ صرامةً ضدَّ الإنسانِ المختلف، بل صرامةٌ ضدَّ الفوضى، والاستغلال، والاتجارِ بالبشر، والجريمة، وسوءِ التدبير، وغيابِ التخطيط.
حين يصبحُ الاسمُ على غيرِ مسمًّى
هنا نعودُ إلى السؤالِ الأوَّل:
الدارُ البيضاء... وهل يكونُ الغولُ أبيض؟
إنَّ المفارقةَ ليستْ في أنَّ مدينةً تحملُ اسمَ البياضِ قد تعرفُ السوادَ؛ فالمدنُ لا تُقاسُ بالألوانِ التي تحملُها أسماؤها. المفارقةُ الأعمقُ هي أنَّ الاسمَ قد يصنعُ وعدًا رمزيًّا لا تستطيعُ التجربةُ اليوميةُ أن تفيَ بهِ دائمًا.
فالمدينةُ التي توحي بالملاذِ قد تُرهقُ القادمَ إليها. والمدينةُ التي تبدو من بعيدٍ مركزًا للفرصِ قد تكشفُ للداخلِ إليها عن طبقاتٍ من التفاوتِ والمنافسةِ والهشاشة. والمدينةُ التي تلمعُ في الصورةِ قد تخفي، خلفَ الصورةِ، أحياءً لا يصلُ إليها نصيبٌ عادلٌ من الخدماتِ والأمانِ والاهتمام.
وهنا يصبحُ الاسمُ على غيرِ مسمًّى، لا لأنَّهُ كاذبٌ في ذاته، بل لأنَّ الواقعَ الذي يفترضُ أن يمنحَهُ معناهُ لم يكتملْ بعد.
فالبياضُ الحقيقيُّ ليسَ لونَ الجدرانِ وحدَه؛ إنَّهُ بياضُ العدالة، وبياضُ القانونِ حينَ يُطبَّقُ على الجميع، وبياضُ الضميرِ حينَ لا يُتركُ الضعيفُ فريسةً للقوي، وبياضُ المدينةِ حينَ يستطيعُ طفلُها أن يكبرَ فيها دونَ أن يتعلَّمَ الخوفَ قبلَ أن يتعلَّمَ الحلم.
المرآةُ المكسورةُ لا تحتاجُ إلى مداهنة
الدارُ البيضاءُ ليستْ مدينةً بلا جمال، ولا مدينةً بلا إنجاز، ولا مدينةً بلا طاقاتٍ بشريةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ هائلة. لكنَّ الاعترافَ بجمالِها لا ينبغي أن يتحوَّلَ إلى ذريعةٍ لإسكاتِ النقد، كما أنَّ كشفَ اختلالاتِها لا ينبغي أن يتحوَّلَ إلى حكمٍ بإعدامِ صورتِها كلِّها.
إنَّ المدينةَ التي نحبُّها ليستْ المدينةَ التي نُجمِّلُ عيوبَها، بل المدينةَ التي نمتلكُ شجاعةَ مواجهتِها.
وإذا كانتِ الدارُ البيضاءُ مرآةً مكسورة، فإنَّ إصلاحَها لا يكونُ بإخفاءِ الشظايا تحتَ ستارةٍ بيضاء، ولا بتغييرِ زاويةِ التصوير، ولا بإقناعِ الناسِ بأنَّ ما يرونهُ ليسَ موجودًا.
المرآةُ المكسورةُ تحتاجُ إلى إصلاحٍ حقيقيٍّ، لا إلى تحسينِ صورتِها في أعينِ الناظرين.
تحتاجُ إلى إصلاحٍ يطالُ:
الأمنَ الحضريَّ، بما يضمنُ حمايةَ السكانِ والفضاءاتِ العامةِ من الجريمةِ والاعتداء.
العدالةَ المجاليةَ، حتى لا تكونَ جودةُ الحياةِ امتيازًا محصورًا في أحياءَ دونَ أخرى.
السكنَ والخدماتِ، حتى لا يتحوَّلَ التوسُّعُ العمرانيُّ إلى توسُّعٍ في الهشاشة.
النقلَ والتخطيطَ، حتى لا يصبحَ التنقُّلُ اليوميُّ استنزافًا للوقتِ والأعصابِ والكرامة.
سوقَ العملِ، بما يقلِّلُ البطالةَ والاستغلالَ والاقتصادَ غيرَ المهيكلِ الذي يتركُ فئاتٍ واسعةً خارجَ الحماية.
تدبيرَ الهجرةِ، بما يجمعُ بينَ سيادةِ القانونِ، وحمايةِ الأمنِ، ومكافحةِ الاستغلالِ، واحترامِ الكرامةِ الإنسانية.
المؤسساتِ والثقافةَ المدنيةَ، لأنَّ المدينةَ لا تُصلَحُ بالإسمنتِ وحدَه، بل بالسلوكِ والمسؤوليةِ والوعيِ العام.
فالإصلاحُ الجذريُّ ليسَ عمليةَ تجميلٍ للوجهِ، بل إعادةُ بناءٍ للعلاقةِ بينَ الإنسانِ والمدينة.
من الغولِ الأسودِ إلى سؤالِ الإنقاذ
لقد استحالَ الغولُ الأبيضُ أسودَ في ذهنِ القادمِ الذي اصطدمَ بواقعٍ لا يشبهُ الوعدَ الذي حملَهُ الاسمُ إليه. لكنَّ السؤالَ الأهمَّ ليسَ أن نكتفيَ بإعلانِ اسودادِ الغول، بل أن نسأل:
كيفَ نمنعُ هذا الغولَ من أن يلتهمَ ما تبقّى من روحِ المدينة؟
كيفَ نعيدُ إلى الشارعِ أمنَهُ، وإلى الحيِّ كرامتَهُ، وإلى المواطنِ ثقتَهُ، وإلى الغريبِ قانونَهُ، وإلى العاملِ حقَّهُ، وإلى الطفلِ مستقبلَهُ؟
كيفَ نجعلُ المدينةَ فضاءً تتعايشُ فيهِ الحركةُ الاقتصاديةُ مع العدالةِ الاجتماعية، والتنوُّعُ البشريُّ مع النظامِ العام، والحداثةُ مع الكرامة، والانفتاحُ مع حسنِ التدبير؟
إنَّ المدينةَ لا تُنقَذُ من خلالِ كراهيةِ سكانِها، ولا من خلالِ إنكارِ مشكلاتها، ولا من خلالِ تحويلِ فئةٍ بشريةٍ إلى شماعةٍ تُعلَّقُ عليها كلُّ أزماتها.
المدينةُ تُنقَذُ حينَ تُسمَّى مشكلاتها بأسمائِها الحقيقية، وتُحدَّدُ مسؤولياتُها بدقَّة، وتُعالَجُ أسبابُها لا أعراضُها وحدَها.
فالجريمةُ تحتاجُ إلى أمنٍ وعدالةٍ ووقايةٍ. والهشاشةُ تحتاجُ إلى سياسةٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ. والاكتظاظُ يحتاجُ إلى تخطيطٍ واستباقٍ. والهجرةُ تحتاجُ إلى تدبيرٍ قانونيٍّ وإنسانيٍّ واضح. والتفاوتُ يحتاجُ إلى عدالةٍ مجاليةٍ لا تكتفي بالشعارات.
ليسَ كلُّ أبيضَ نقيًّا... وليسَ كلُّ أسودَ حقيقةً كاملة
الدارُ البيضاءُ ليستْ واحةَ سلامٍ مطلق، كما أنَّها ليستْ جحيمًا حضريًّا خالصًا. إنَّها مدينةٌ كبرى، حيَّةٌ، متناقضةٌ، منتجةٌ، ومثقلةٌ في الوقتِ نفسِه بأزماتٍ تستوجبُ الاعترافَ والمساءلةَ والإصلاح.
لكنَّ الخطرَ يبدأُ حينَ نُصرُّ على أنَّ البياضَ الظاهرَ يكفي لنفيِ السوادِ الكامن، أو حينَ نُحوِّلُ السوادَ إلى ذريعةٍ لإدانةِ المدينةِ كلِّها، أو حينَ نبحثُ عن كبشِ فداءٍ بشريٍّ بدلَ أن نبحثَ عن جذورِ الخللِ في السياساتِ والبُنى والمؤسساتِ والسلوكيات.
إنَّ الدارَ البيضاءَ لا تحتاجُ إلى مَن يصفِّقُ لبياضِها، ولا إلى مَن يلعنُ سوادَها من خارجِها؛ إنَّها تحتاجُ إلى مَن يجرؤُ على النظرِ في مرآتِها المكسورةِ دونَ خوفٍ، ودونَ تزويقٍ، ودونَ ظلمٍ.
تحتاجُ إلى مبضعِ جراحٍ لا يرتجفُ أمامَ الجرح، لكنَّهُ لا يخلطُ بينَ الجراحةِ والعدوان؛ وإلى عقلٍ لا يهربُ من الوقائع، لكنَّهُ لا يستسلمُ للتعميم؛ وإلى إرادةٍ تعرفُ أنَّ إصلاحَ المدينةِ ليسَ بإطفاءِ نورِها، بل بإزالةِ ما يحجبُ نورَها عن أهلِها.
فهل يكونُ الغولُ أبيض؟
نعم، قد يختبئُ الغولُ خلفَ البياضِ حينَ تُتركُ الاختلالاتُ بلا علاج. لكنَّ السؤالَ الأكبرَ ليسَ لونَ الغول، بل مَن يملكُ شجاعةَ مواجهتِه، ومَن يملكُ إرادةَ إصلاحِ المدينةِ قبلَ أن تتحوَّلَ شظايا مرآتِها إلى جروحٍ في أرواحِ أبنائِها؟
الدارُ البيضاءُ ليستْ اسمًا ينبغي أن نُحاكمَهُ، بل واقعًا ينبغي أن نُصلحَهُ.
