كرامة المعلم ليست مشهداً عابراً
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لم يكن تكريم الأستاذة صالحة عبد الفضيل. والأستاذ نادر. من جانب وزير التربية والتعليم. مجرد مراسم عابرة. فهناك أشخاص حين يُكرمون. لا تكون قيمة التكريم فى الدرع الذى يُقدم إليهم. ولا فى الصورة التى تجمعهم بالمسؤول. وإنما فى الرسالة التى تصل إلى المجتمع كله. ورسالة هذا التكريم تقول إن المعلم الذى يؤدى واجبه. ويقف فى موقع المسؤولية. ويواجه ضغوط العمل. ويصر على أداء دوره. يستحق التقدير والإحترام. ولذلك كان من الطبيعى أن يجد تكريمهما صدى طيباً لدى كثير من المواطنين. خصوصاً أن التعاطف الشعبى معهما لم يبدأ يوم التكريم. وإنما سبق ذلك. وإستمر بعده. لأن الناس لا تتعامل دائماً مع الوقائع بإعتبارها أوراقاً إدارية. بل تتعامل معها بإعتبارها مشاهد إنسانية. ترى فيها كرامة إنسان. ومكانة معلم. وصورة مسؤول أمام المجتمع.
لكن خلف مشهد التكريم سؤال أعمق بكثير. وهو السؤال الذى يجب ألا يختفى خلف الأضواء. هل يكفى أن نكرم الإنسان بعد واقعة أثارت إستياءً عاماً؟ أم أن إحترامه يقتضى أيضاً أن نبحث فيما حدث. وأن نعرف ما إذا كان هناك تجاوز قد وقع. ومن المسؤول عنه. وما الإجراء الذى تتطلبه القواعد إذا ثبتت المخالفة؟ هذا ليس سؤالاً للشماتة فى مسؤول. وليس دعوة إلى تصفية الحسابات. وليس محاولة لإدانة أحد قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها. إنه سؤال عن دولة المؤسسات. وعن المعنى الحقيقى للمساءلة. لأن التكريم والمساءلة ليسا نقيضين. بل قد يكونان وجهين لقاعدة واحدة. وهى أن كرامة الإنسان لا تُصان بالكلمات وحدها. وإنما بإجراءات تحمى هذه الكرامة حين تكون هناك شبهة تجاوز تستحق الفحص.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التكريم إلى بديل عن معالجة أصل المشكلة. فهناك فرق كبير بين أن نقول للمعلم. نحن نقدر ما قدمته. وبين أن نقول له أيضاً. نحن نحترم كرامتك. وإذا كانت هناك واقعة أثارت علامات إستفهام حول أسلوب التعامل معك. فإن المؤسسات المختصة ستفحصها. وستسمع جميع الأطراف. وستصل إلى ما تراه وفق القانون واللوائح. الأولى تمنح الإنسان لحظة فرح. أما الثانية فتمنحه شعوراً بالأمان. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الإحتفال بالمظهر. ومعالجة جوهر المشكلة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث فى الإدارة العامة. أن تتحول بعض الأزمات إلى مشاهد إعلامية. ثم تنتهى بمشهد إعلامى آخر. نحتفى فيه بمن تعرض للموقف. ونقدم له التكريم. ثم يعتقد الجميع أن الصفحة قد طويت. بينما السؤال الأساسى ما زال معلقاً. هل كان الأسلوب الذى جرى به التعامل سليماً؟ هل كان متوافقاً مع مقتضيات الوظيفة العامة؟ هل كان يراعى كرامة العاملين فى المؤسسة التعليمية؟ وهل كانت هناك إجراءات إدارية أكثر ملاءمة يمكن إتباعها بعيداً عن أى مشهد قد يترك أثراً نفسياً على صاحبه. أو على الطلاب. أو الزملاء. أو المجتمع؟
وهنا يجب أن نكون دقيقين. نحن لا نملك إصدار حكم قضائى. ولا نملك تحديد مسؤولية قانونية على أحد. ولا ينبغى لكاتب أو مواطن أن يستبدل جهات التحقيق والقانون بمنشور على مواقع التواصل. لكننا نملك حق السؤال. ونملك حق المطالبة بأن تكون المؤسسات قادرة على مراجعة أى واقعة يثور حولها جدل عام. إذا كانت تستحق المراجعة. فالمساءلة ليست إهانة للمسؤول. كما أن المراجعة ليست عداءً للسلطة. بل هى إحدى الوسائل التى تحمى السلطة نفسها من الخطأ. وتحافظ على ثقة الناس فيها.
إن المعلم ليس موظفاً عادياً فى الوعى الجمعى. فهو يقف أمام الطلاب كل صباح. ويطالبهم بالإنضباط. والإحترام. وتحمل المسؤولية. والإلتزام بالقواعد. ولذلك فإن الصورة التى يراها الطالب أمامه ليست تفصيلاً صغيراً. وإذا كان المجتمع يريد أن يعلم أبناءه أن الكرامة حق. وأن الإختلاف لا يبرر التجاوز. وأن المنصب لا يعنى إمتلاك الحق المطلق فى التعامل مع الآخرين. فإن هذه المبادئ يجب أن تظهر فى الواقع. لا أن تبقى مجرد عبارات فى الكتب المدرسية.
ومن هنا يصبح تكريم مديرة المدرسة الأستاذة صالحة عبد الفضيل. و مدير المدرسة الأستاذ نادر. خطوة جميلة ومحمودة. لكنها لا تمنع سؤالاً مشروعاً من أن يظل قائماً. ماذا بعد التكريم؟ هل تنتهى الحكاية عند الصورة والدرع؟ أم يبدأ بعدها الجزء الأهم. وهو مراجعة ما حدث. إذا كانت هناك وقائع تستوجب المراجعة. وتحديد المسؤوليات وفق القانون. إذا ثبتت أى مخالفة. لأن إغلاق الملف دون بحث. إن كان البحث واجباً. لا يخدم أحداً. بينما الوصول إلى الحقيقة. أياً كانت. يخدم المؤسسة. ويحفظ كرامة المعلم. ويحفظ أيضاً حق المسؤول فى أن يُسمع دفاعه. قبل أن يصدر المجتمع حكماً عليه.
لقد إعتاد الناس أحياناً على رؤية المشكلات الإدارية بإعتبارها عواصف مؤقتة. ترتفع على شاشات الهواتف. ثم تختفى بعد أيام. لكن المؤسسات لا ينبغى أن تدار بمنطق الذاكرة القصيرة. فالمشهد الذى يراه ملايين الناس قد ينتهى فى دقائق. أما أثره فيبقى طويلاً. ولذلك فإن التصرف المؤسسى الصحيح ليس أن ننتظر حتى يهدأ الكلام. ثم نعتبر أن المشكلة إنتهت. وإنما أن نمتلك الشجاعة الإدارية لنسأل. ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وهل كان يمكن أن يحدث بطريقة أفضل؟ وهل تستوجب الواقعة أى إجراء؟ ومن ثم نترك للجهة المختصة أن تقول كلمتها بعيداً عن الإنفعال. وبعيداً عن التشهير. وبعيداً عن الأحكام المسبقة.
وهذا تحديداً هو الفارق بين دولة المؤسسات. وإدارة الأزمات بمنطق المشهد. فدولة المؤسسات لا تخاف من السؤال. ولا تعتبر المساءلة إنتقاماً. ولا ترى الإعتراف بالخطأ ضعفاً. بل تعرف أن قوة المسؤول الحقيقية لا تكمن فى ألا يُراجع. وإنما فى قدرته على أن يقبل المراجعة. وأن يترك القانون يقول كلمته. لأن المنصب مهما كان كبيراً. يظل وظيفة عامة. والوظيفة العامة تكليف قبل أن تكون سلطة.
كل التقدير لوزير التربية والتعليم على تكريم لسيدة مديرة المدرسة الأستاذة صالحة عبد الفضيل. والسيد مدير المدرسة الأستاذ نادر. وكل التقدير لكل معلم يؤدى رسالته فى صمت. ويقاوم ضغوط العمل. ويحاول أن يترك فى نفوس طلابه أثراً طيباً. لكننا نريد أن يكون التكريم بداية لمعنى أكبر. نريد أن يعرف كل معلم أن إحترامه ليس مرتبطاً بمشهد عابر. وأن كرامته ليست منحة من أحد. وأن أى واقعة تستوجب المراجعة يجب أن تجد طريقها إلى المؤسسات المختصة.
فالدرع يمكن أن يوضع على مكتب. والصورة يمكن أن تُحفظ فى هاتف. والخبر يمكن أن يختفى من صفحات المواقع بعد أيام. لكن إحترام كرامة الإنسان. إذا تحول إلى مبدأ مؤسسى. فإنه يبقى.
وربما يكون التكريم الحقيقى للأستاذة المديرة صالحة عبد الفضيل. وللأستاذ المدير نادر. ولكل معلم فى مصر. ألا نكتفى بأن نقول لهم. شكراً. بل أن نقول أيضاً. إن كرامتكم محل إحترام. وإن أى واقعة تمسها. إذا كانت تستوجب الفحص. فلن تُعالج بالصمت. ولن تُدفن تحت سجادة النسيان. وإنما ستوضع أمام الجهة المختصة. لتقول كلمتها بالحق والقانون.
عندها فقط. لن يكون التكريم مجرد إحتفال. بل سيكون رسالة دولة. رسالة تقول إن تقدير المعلم لا يبدأ بدرع. ولا ينتهى بصورة. وإنما يبدأ من إحترام الإنسان. وينتهى عند سيادة القانون.
