لِلْأَقْلَامِ بُكَاءٌ... وَبُكَاءُ قَلَمِي حُزْنُ الْمُقَدَّسِ
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
لِلْأَقْلَامِ بُكَاءٌ، كَمَا لِلْعُيُونِ بُكَاءٌ، وَلَكِنَّ لِكُلِّ بُكَاءٍ سَبَبًا، وَلِكُلِّ دَمْعَةٍ حِكَايَةً، وَلِكُلِّ حُزْنٍ مَنْبَعًا وَمَقْصِدًا.
فَلَيْسَ كُلُّ بُكَاءٍ ضَعْفًا، وَلَيْسَ كُلُّ حُزْنٍ انْكِسَارًا، وَلَيْسَتْ كُلُّ دَمْعَةٍ عَجْزًا عَنِ الْمُوَاجَهَةِ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْبُكَاءُ فِي بَعْضِ مَرَاحِلِ الْحَيَاةِ أَرْقَى أَشْكَالِ الْوَعْيِ، وَأَصْدَقَ صُوَرِ الْإِحْسَاسِ، وَأَبْلَغَ لُغَاتِ الرُّوحِ حِينَ تَعْجِزُ الْكَلِمَاتُ عَنْ حَمْلِ مَا يَخْتَلِجُ فِي الدَّاخِلِ.
وَلِلْبُكَاءِ، كَمَا أَرَى، مَرَاجِعُ وَمُنْطَلَقَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فَمِنْهُ بُكَاءٌ عَقَائِدِيٌّ، وَدِينِيٌّ، وَمَقَاصِدِيٌّ، وَمِنْهُ بُكَاءٌ دُنْيَوِيٌّ عَابِثٌ، تَحْكُمُهُ الْمَصَالِحُ وَالْمَادَّةُ وَنَزَوَاتُ اللَّحْظَةِ.
وَمَا بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ تَبْدُو الْفُرُوقُ بَيْنَ الْأَحْزَانِ، كَمَا تَبْدُو الْفُرُوقُ بَيْنَ الْقِيَمِ وَالْمَرْجِعِيَّاتِ وَالْأَهْدَافِ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْزَنُ فَقَطْ بِقَدْرِ مَا فَقَدَ، بَلْ يَحْزَنُ أَيْضًا بِقَدْرِ مَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَبِقَدْرِ مَا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ مِنْ قِيَمٍ وَمَبَادِئَ وَمَعَانٍ.
وَمِنْ هُنَا يَخْتَلِفُ بُكَاءُ مَنْ يَرَى الْحَيَاةَ مَادَّةً فَقَطْ، عَنْ بُكَاءِ مَنْ يَرَاهَا أَمَانَةً وَرِسَالَةً وَابْتِلَاءً وَمَسْؤُولِيَّةً.
فِي عَالَمٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ الْمَادَّةُ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَعْنَى، وَالصُّورَةُ عَلَى الْجَوْهَرِ، وَالشِّعَارُ عَلَى الْمُمَارَسَةِ، أَصْبَحَ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ نَفْسُهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْثِيهِ، لَا لِأَنَّهُ فَقَدَ اسْمَهُ، بَلْ لِأَنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاضِعِهِ فَقَدَ جَوْهَرَ اسْمِهِ وَرُوحَهُ.
فَقَدْ نَمْلِكُ الْعُنْوَانَ، وَلَكِنْنَا قَدْ نَفْقِدُ الْمَعْنَى؛ وَقَدْ نَرْفَعُ الشِّعَارَ، وَلَكِنْنَا لَا نُجَسِّدُ مَا يَقُولُهُ؛ وَقَدْ نَتَحَدَّثُ طَوِيلًا عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَعْجِزُ عَنْ تَحْوِيلِ قِيَمِهِ إِلَى سُلُوكٍ وَمَوْقِفٍ وَحَيَاةٍ.
وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُرْبِكَةِ، وَبَيْنَ عَالَمٍ مَادِّيٍّ يَسْتَعْلِي عَلَى الْمَعْنَى وَيَضَعُ الْإِنْسَانَ فِي سُوقِ الْمَصَالِحِ، تَبْقَى فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْأَقْلَامِ الْحُرَّةِ تَبْكِي فِي صَمْتٍ، وَتَأَنُّ فِي صَمْتٍ، وَتَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِهَا هَمَّ الْإِنْسَانِ وَالْأُمَّةِ وَالْقِيَمِ وَالْمُسْتَقْبَلِ.
هَؤُلَاءِ لَا يَبْكُونَ لِأَنَّهُمْ ضُعَفَاءُ، بَلْ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ، وَيَشْعُرُونَ بِمَا لَا يَشْعُرُ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَيَحْمِلُونَ أَسْئِلَةً أَكْبَرَ مِنْ ذَوَاتِهِمْ.
إِنَّهَا أَقْلَامٌ تَبْكِي لِأَنَّ الْعَالَمَ الَّذِي تُحِبُّهُ يَنْزَلِقُ، وَالْقِيَمَ الَّتِي تُؤْمِنُ بِهَا تُدَاسُ، وَالْحَقَائِقَ الَّتِي تُدَافِعُ عَنْهَا تُحَاصَرُ، وَالْوَعْيَ الَّذِي تَحْلُمُ بِهِ يَتَرَاجَعُ أَمَامَ زَحْفِ الْجَهْلِ وَالضَّجِيجِ وَالْمَصَالِحِ.
وَلَكِنَّ بُكَاءَ الْقَلَمِ الْحُرِّ لَيْسَ بُكَاءَ اسْتِسْلَامٍ؛ إِنَّهُ بُكَاءُ الْمُقَاوَمَةِ بِالْكَلِمَةِ، وَبُكَاءُ الشَّهَادَةِ، وَبُكَاءُ الضَّمِيرِ حِينَ يَرْفُضُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى جُثَّةٍ صَامِتَةٍ فِي مَقْبَرَةِ الْوَاقِعِ.
وَهُنَا أَتَوَقَّفُ عِنْدَ قَلَمِي.
ذَلِكَ الْقَلَمُ الَّذِي ظَلَّ طَوِيلًا يَبْكِي، وَأَنَا أُحَاوِلُ إِسْكَاتَهُ.
كُنْتُ أَقُولُ لَهُ:
اصْبِرْ... سَتَنْصَلِحُ الْأُمُورُ، وَسَتَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، وَسَيَأْتِي يَوْمٌ يَعُودُ فِيهِ الْمَعْنَى إِلَى مَكَانِهِ، وَالْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَالْوَعْيُ إِلَى أَصْحَابِهِ.
كُنْتُ أُهَوِّنُ عَلَيْهِ، وَأُجَفِّفُ دُمُوعَهُ، وَأَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَصْمُتَ قَلِيلًا.
وَلَكِنَّنِي، بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الصَّمْتِ وَالِاحْتِبَاسِ، أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَسْتُ وَصِيًّا عَلَى دُمُوعِهِ.
فَقَرَّرْتُ قَرَارًا تَارِيخِيًّا فِي عَلاَقَتِي مَعَهُ:
أَنْ أُحَرِّرَهُ.
قُلْتُ لِنَفْسِي:
لَنْ أَكُونَ بَعْدَ الْيَوْمِ مُسْتَبِدًّا بِقَلَمِي، وَلَا رَقِيبًا عَلَيْهِ، وَلَا سَجَّانًا لِكَلِمَاتِهِ، وَلَنْ أُدْخِلَهُ مَحَاكِمَ التَّفْتِيشِ، وَلَنْ أُصَادِرَ فِكْرَهُ وَحُرِّيَّتَهُ.
سَأَتْرُكُهُ يَقُولُ مَا يُرِيدُ، وَيَبْكِي كَيْفَ يُرِيدُ، وَيَصْرُخُ إِذَا أَرَادَ، وَيَصْمُتُ إِذَا أَرَادَ.
فَرُبَّ بُكَاءٍ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ أَلْفِ خُطْبَةٍ، وَرُبَّ دَمْعَةٍ تَحْمِلُ مِنَ الْمَعَانِي مَا لَا تَحْمِلُهُ صَفَحَاتٌ وَكُتُبٌ.
أَلَيْسَ الْبُكَاءُ أَحْيَانًا عَلَامَةً عَلَى الرُّقِيِّ؟
أَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ لَمْ يَمُتْ؟
أَلَيْسَ فِي الدَّمْعِ أَحْيَانًا مَا لَيْسَ فِي الصَّخَبِ وَالضَّجِيجِ؟
إِنَّ الْبُكَاءَ حَالَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ؛ فَنَحْنُ لَا نَبْكِي فَقَطْ مِنَ الْأَلَمِ، بَلْ قَدْ نَبْكِي مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، وَمِنْ عُمْقِ الشَّوْقِ، وَمِنْ عِظَمِ الْخَوْفِ، وَمِنْ جَلَالِ الْمَوْقِفِ، وَمِنْ شِدَّةِ الْإِيمَانِ.
وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْطَلَقُهُ فِي بُكَائِهِ، وَمَرْجِعِيَّتُهُ فِي حُزْنِهِ، وَقَضِيَّتُهُ الَّتِي تَسْكُنُ وَجْدَانَهُ.
أَمَّا قَلَمِي، فَبُكَاؤُهُ شَيْءٌ آخَرُ.
إِنَّهُ بُكَاءٌ دِينِيٌّ وَعَقَائِدِيٌّ وَمَقَاصِدِيٌّ، بُكَاءٌ تَشْخِيصِيٌّ وَتَأَمُّلِيٌّ، بُكَاءُ قَلَمٍ مُوجَعٍ بِمَا يَرَى، وَمُصَابٍ فِي عُمْقِهِ بِمَا آلَ إِلَيْهِ حَالُ الْأُمَّةِ وَالْإِنْسَانِ.
إِنَّهُ يَبْكِي لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى التَّظَاهُرِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ.
يَبْكِي لِأَنَّهُ حُرٌّ.
يَبْكِي لِأَنَّهُ لَمْ يُبَعْ فِي أَسْوَاقِ الْمُزَايَدَاتِ.
يَبْكِي لِأَنَّ ضَمِيرَهُ لَيْسَ سِلْعَةً.
يَبْكِي لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الْجُرْحَ وَيَكْتُبَ عَنْ زَهْرَةٍ.
وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الظُّلْمَ وَيَتَغَنَّى بِالْعَدْلِ دُونَ أَنْ يُسَمِّيَ الظُّلْمَ بِاسْمِهِ.
وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانَ يَسِيرُ نَحْوَ الْهَاوِيَةِ، ثُمَّ يَكْتُبَ لَهُ عَنْ جَمَالِ الطَّرِيقِ.
لِذَلِكَ يَبْكِي.
وَلِذَلِكَ يَكْتُبُ.
وَلِذَلِكَ لَنْ يَصْمُتَ.
إِنَّ الْقَلَمَ الَّذِي يَحْمِلُ هَمَّ الْعَالَمِ لَا يَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ اللَّامُبَالَاةِ.
فَالْعَالَمُ لَيْسَ خَارِجَهُ؛ إِنَّهُ فِي قَلْبِهِ.
وَقَضَايَا النَّاسِ لَيْسَتْ أَخْبَارًا عَابِرَةً عِنْدَهُ؛ إِنَّهَا جُرُوحٌ تَمُرُّ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى حُرُوفٍ.
وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مَا يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ التَّرْبِيَةُ الْإِيمَانِيَّةُ أَنَّ رِقَّةَ الْقَلْبِ لَيْسَتْ عَيْبًا، وَأَنَّ الدَّمْعَةَ لَيْسَتْ دَلِيلَ ضَعْفٍ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَتَفَكُّرِهِ، وَكَانَ صَحَابَتُهُ وَالصَّالِحُونَ مِنْ بَعْدِهِ أَرَقَّ قُلُوبًا وَأَغْزَرَ دَمْعًا.
وَقَالَ ﷺ:
«لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
فَلَيْسَ الْبُكَاءُ هُنَا هَرَبًا مِنَ الْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ عُمْقٌ فِي فَهْمِهَا، وَلَيْسَ انْكِسَارًا أَمَامَهَا، بَلْ إِحْسَاسٌ بِثِقَلِ الْأَمَانَةِ فِيهَا.
وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ الْبُكَاءُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ.
هُنَا يَتَحَوَّلُ الدَّمْعُ مِنْ ضَعْفٍ إِنْسَانِيٍّ إِلَى لُغَةِ افْتِقَارٍ وَخُضُوعٍ وَدُعَاءٍ.
فَالْعَبْدُ قَدْ تَعْجِزُ لِسَانُهُ عَنْ التَّعْبِيرِ، وَقَدْ تَعْجِزُ يَدُهُ عَنِ الْفِعْلِ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفَعَ شَكْوَاهُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
وَمَا أَصْعَبَ مَوْقِفَ الْمَظْلُومِ حِينَ لَا يَمْلِكُ مِنْ قُوَّةٍ إِلَّا دَمْعَةً، وَمِنْ سِلَاحٍ إِلَّا دُعَاءً.
يَقِفُ أَمَامَ الظَّالِمِ، وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُوَاجَهَتِهِ، فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَيَقُولُ بِقَلْبٍ مُنْكَسِرٍ:
حَسْبِيَ اللهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَهُنَا يَكُونُ الظَّالِمُ فِي مُوَاجَهَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ مَدَاهَا؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْمَظْلُومِ لَيْسَتْ دَائِمًا دَمْعَةَ عَجْزٍ، بَلْ قَدْ تَكُونُ دَمْعَةَ شَكْوَى إِلَى مَنْ لَا يُغْلَبُ، وَلَا يَظْلِمُ، وَلَا يَضِيعُ عِنْدَهُ حَقٌّ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَلَمَ الَّذِي يَبْكِي لِلْحَقِّ لَيْسَ قَلَمًا مَهْزُومًا.
إِنَّهُ قَلَمٌ يُقَاوِمُ.
وَالْقَلَمُ الَّذِي يَحْزَنُ لِسُقُوطِ الْقِيَمِ لَيْسَ قَلَمًا مُتَشَائِمًا.
إِنَّهُ قَلَمٌ مَا زَالَ يُؤْمِنُ بِإِمْكَانِ النُّهُوضِ.
وَالْقَلَمُ الَّذِي يَبْكِي لِلْمُقَدَّسِ لَيْسَ قَلَمًا يَهْرُبُ مِنَ الْحَيَاةِ.
إِنَّهُ قَلَمٌ يُرِيدُ لِلْحَيَاةِ أَنْ تَكُونَ أَكْرَمَ وَأَنْقَى وَأَعْدَلَ وَأَقْرَبَ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ.
وَهَا أَنَا الْيَوْمَ أَتْرُكُ قَلَمِي يَبْكِي.
لَا لِأَنِّي اسْتَسْلَمْتُ لِلْحُزْنِ، بَلْ لِأَنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّ بَعْضَ الدُّمُوعِ يَجِبُ أَنْ تُكْتَبَ، وَأَنَّ بَعْضَ الْأَحْزَانِ يَجِبُ أَنْ تُقَالَ، وَأَنَّ بَعْضَ الصَّمْتِ يُصْبِحُ خِيَانَةً حِينَ يَكُونُ الْحَقُّ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ.
فَلْيَبْكِ قَلَمِي مَا شَاءَ.
وَلْيَكْتُبْ دُمُوعَهُ حُرُوفًا.
وَلْيَجْعَلْ مِنْ حُزْنِهِ مَوْقِفًا، وَمِنْ دَمْعِهِ شَهَادَةً، وَمِنْ حُرِّيَّتِهِ رِسَالَةً.
فَرُبَّ قَلَمٍ يَبْكِي الْيَوْمَ، لِيَكْتُبَ غَدًا أَسْطُرًا تَبْقَى.
وَرُبَّ دَمْعَةٍ سَقَطَتْ فِي صَمْتٍ، كَانَتْ أَصْدَقَ مِنْ خُطَبٍ طَوِيلَةٍ تَعَلَّمَ أَصْحَابُهَا كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا كَيْفَ يَشْعُرُونَ.
فَالْقَلَمُ الَّذِي لَا يَبْكِي لِمَا يَرَى، قَدْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، وَلَا فَاتِنِينَ وَلَا مَفْتُونِينَ، وَلَا زَالِّينَ وَلَا مُزِلِّينَ، وَلَا ظَالِمِينَ وَلَا مَظْلُومِينَ.
اللَّهُمَّ أَخْرِجْنَا مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ، وَإِلَيْكَ رَاجِعِينَ، وَإِلَى رِضْوَانِكَ سَائِرِينَ.
آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَلِلْأَقْلَامِ بُكَاءٌ... وَبُكَاءُ قَلَمِي حُزْنُ الْمُقَدَّسِ
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
لِلْأَقْلَامِ بُكَاءٌ، كَمَا لِلْعُيُونِ بُكَاءٌ، وَلَكِنَّ لِكُلِّ بُكَاءٍ سَبَبًا، وَلِكُلِّ دَمْعَةٍ حِكَايَةً، وَلِكُلِّ حُزْنٍ مَنْبَعًا وَمَقْصِدًا.
فَلَيْسَ كُلُّ بُكَاءٍ ضَعْفًا، وَلَيْسَ كُلُّ حُزْنٍ انْكِسَارًا، وَلَيْسَتْ كُلُّ دَمْعَةٍ عَجْزًا عَنِ الْمُوَاجَهَةِ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْبُكَاءُ فِي بَعْضِ مَرَاحِلِ الْحَيَاةِ أَرْقَى أَشْكَالِ الْوَعْيِ، وَأَصْدَقَ صُوَرِ الْإِحْسَاسِ، وَأَبْلَغَ لُغَاتِ الرُّوحِ حِينَ تَعْجِزُ الْكَلِمَاتُ عَنْ حَمْلِ مَا يَخْتَلِجُ فِي الدَّاخِلِ.
وَلِلْبُكَاءِ، كَمَا أَرَى، مَرَاجِعُ وَمُنْطَلَقَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فَمِنْهُ بُكَاءٌ عَقَائِدِيٌّ، وَدِينِيٌّ، وَمَقَاصِدِيٌّ، وَمِنْهُ بُكَاءٌ دُنْيَوِيٌّ عَابِثٌ، تَحْكُمُهُ الْمَصَالِحُ وَالْمَادَّةُ وَنَزَوَاتُ اللَّحْظَةِ.
وَمَا بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ تَبْدُو الْفُرُوقُ بَيْنَ الْأَحْزَانِ، كَمَا تَبْدُو الْفُرُوقُ بَيْنَ الْقِيَمِ وَالْمَرْجِعِيَّاتِ وَالْأَهْدَافِ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْزَنُ فَقَطْ بِقَدْرِ مَا فَقَدَ، بَلْ يَحْزَنُ أَيْضًا بِقَدْرِ مَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَبِقَدْرِ مَا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ مِنْ قِيَمٍ وَمَبَادِئَ وَمَعَانٍ.
وَمِنْ هُنَا يَخْتَلِفُ بُكَاءُ مَنْ يَرَى الْحَيَاةَ مَادَّةً فَقَطْ، عَنْ بُكَاءِ مَنْ يَرَاهَا أَمَانَةً وَرِسَالَةً وَابْتِلَاءً وَمَسْؤُولِيَّةً.
فِي عَالَمٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ الْمَادَّةُ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَعْنَى، وَالصُّورَةُ عَلَى الْجَوْهَرِ، وَالشِّعَارُ عَلَى الْمُمَارَسَةِ، أَصْبَحَ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ نَفْسُهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْثِيهِ، لَا لِأَنَّهُ فَقَدَ اسْمَهُ، بَلْ لِأَنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاضِعِهِ فَقَدَ جَوْهَرَ اسْمِهِ وَرُوحَهُ.
فَقَدْ نَمْلِكُ الْعُنْوَانَ، وَلَكِنْنَا قَدْ نَفْقِدُ الْمَعْنَى؛ وَقَدْ نَرْفَعُ الشِّعَارَ، وَلَكِنْنَا لَا نُجَسِّدُ مَا يَقُولُهُ؛ وَقَدْ نَتَحَدَّثُ طَوِيلًا عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَعْجِزُ عَنْ تَحْوِيلِ قِيَمِهِ إِلَى سُلُوكٍ وَمَوْقِفٍ وَحَيَاةٍ.
وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُرْبِكَةِ، وَبَيْنَ عَالَمٍ مَادِّيٍّ يَسْتَعْلِي عَلَى الْمَعْنَى وَيَضَعُ الْإِنْسَانَ فِي سُوقِ الْمَصَالِحِ، تَبْقَى فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْأَقْلَامِ الْحُرَّةِ تَبْكِي فِي صَمْتٍ، وَتَأَنُّ فِي صَمْتٍ، وَتَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِهَا هَمَّ الْإِنْسَانِ وَالْأُمَّةِ وَالْقِيَمِ وَالْمُسْتَقْبَلِ.
هَؤُلَاءِ لَا يَبْكُونَ لِأَنَّهُمْ ضُعَفَاءُ، بَلْ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ، وَيَشْعُرُونَ بِمَا لَا يَشْعُرُ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَيَحْمِلُونَ أَسْئِلَةً أَكْبَرَ مِنْ ذَوَاتِهِمْ.
إِنَّهَا أَقْلَامٌ تَبْكِي لِأَنَّ الْعَالَمَ الَّذِي تُحِبُّهُ يَنْزَلِقُ، وَالْقِيَمَ الَّتِي تُؤْمِنُ بِهَا تُدَاسُ، وَالْحَقَائِقَ الَّتِي تُدَافِعُ عَنْهَا تُحَاصَرُ، وَالْوَعْيَ الَّذِي تَحْلُمُ بِهِ يَتَرَاجَعُ أَمَامَ زَحْفِ الْجَهْلِ وَالضَّجِيجِ وَالْمَصَالِحِ.
وَلَكِنَّ بُكَاءَ الْقَلَمِ الْحُرِّ لَيْسَ بُكَاءَ اسْتِسْلَامٍ؛ إِنَّهُ بُكَاءُ الْمُقَاوَمَةِ بِالْكَلِمَةِ، وَبُكَاءُ الشَّهَادَةِ، وَبُكَاءُ الضَّمِيرِ حِينَ يَرْفُضُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى جُثَّةٍ صَامِتَةٍ فِي مَقْبَرَةِ الْوَاقِعِ.
وَهُنَا أَتَوَقَّفُ عِنْدَ قَلَمِي.
ذَلِكَ الْقَلَمُ الَّذِي ظَلَّ طَوِيلًا يَبْكِي، وَأَنَا أُحَاوِلُ إِسْكَاتَهُ.
كُنْتُ أَقُولُ لَهُ:
اصْبِرْ... سَتَنْصَلِحُ الْأُمُورُ، وَسَتَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، وَسَيَأْتِي يَوْمٌ يَعُودُ فِيهِ الْمَعْنَى إِلَى مَكَانِهِ، وَالْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَالْوَعْيُ إِلَى أَصْحَابِهِ.
كُنْتُ أُهَوِّنُ عَلَيْهِ، وَأُجَفِّفُ دُمُوعَهُ، وَأَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَصْمُتَ قَلِيلًا.
وَلَكِنَّنِي، بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الصَّمْتِ وَالِاحْتِبَاسِ، أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَسْتُ وَصِيًّا عَلَى دُمُوعِهِ.
فَقَرَّرْتُ قَرَارًا تَارِيخِيًّا فِي عَلاَقَتِي مَعَهُ:
أَنْ أُحَرِّرَهُ.
قُلْتُ لِنَفْسِي:
لَنْ أَكُونَ بَعْدَ الْيَوْمِ مُسْتَبِدًّا بِقَلَمِي، وَلَا رَقِيبًا عَلَيْهِ، وَلَا سَجَّانًا لِكَلِمَاتِهِ، وَلَنْ أُدْخِلَهُ مَحَاكِمَ التَّفْتِيشِ، وَلَنْ أُصَادِرَ فِكْرَهُ وَحُرِّيَّتَهُ.
سَأَتْرُكُهُ يَقُولُ مَا يُرِيدُ، وَيَبْكِي كَيْفَ يُرِيدُ، وَيَصْرُخُ إِذَا أَرَادَ، وَيَصْمُتُ إِذَا أَرَادَ.
فَرُبَّ بُكَاءٍ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ أَلْفِ خُطْبَةٍ، وَرُبَّ دَمْعَةٍ تَحْمِلُ مِنَ الْمَعَانِي مَا لَا تَحْمِلُهُ صَفَحَاتٌ وَكُتُبٌ.
أَلَيْسَ الْبُكَاءُ أَحْيَانًا عَلَامَةً عَلَى الرُّقِيِّ؟
أَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ لَمْ يَمُتْ؟
أَلَيْسَ فِي الدَّمْعِ أَحْيَانًا مَا لَيْسَ فِي الصَّخَبِ وَالضَّجِيجِ؟
إِنَّ الْبُكَاءَ حَالَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ؛ فَنَحْنُ لَا نَبْكِي فَقَطْ مِنَ الْأَلَمِ، بَلْ قَدْ نَبْكِي مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، وَمِنْ عُمْقِ الشَّوْقِ، وَمِنْ عِظَمِ الْخَوْفِ، وَمِنْ جَلَالِ الْمَوْقِفِ، وَمِنْ شِدَّةِ الْإِيمَانِ.
وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْطَلَقُهُ فِي بُكَائِهِ، وَمَرْجِعِيَّتُهُ فِي حُزْنِهِ، وَقَضِيَّتُهُ الَّتِي تَسْكُنُ وَجْدَانَهُ.
أَمَّا قَلَمِي، فَبُكَاؤُهُ شَيْءٌ آخَرُ.
إِنَّهُ بُكَاءٌ دِينِيٌّ وَعَقَائِدِيٌّ وَمَقَاصِدِيٌّ، بُكَاءٌ تَشْخِيصِيٌّ وَتَأَمُّلِيٌّ، بُكَاءُ قَلَمٍ مُوجَعٍ بِمَا يَرَى، وَمُصَابٍ فِي عُمْقِهِ بِمَا آلَ إِلَيْهِ حَالُ الْأُمَّةِ وَالْإِنْسَانِ.
إِنَّهُ يَبْكِي لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى التَّظَاهُرِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ.
يَبْكِي لِأَنَّهُ حُرٌّ.
يَبْكِي لِأَنَّهُ لَمْ يُبَعْ فِي أَسْوَاقِ الْمُزَايَدَاتِ.
يَبْكِي لِأَنَّ ضَمِيرَهُ لَيْسَ سِلْعَةً.
يَبْكِي لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الْجُرْحَ وَيَكْتُبَ عَنْ زَهْرَةٍ.
وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الظُّلْمَ وَيَتَغَنَّى بِالْعَدْلِ دُونَ أَنْ يُسَمِّيَ الظُّلْمَ بِاسْمِهِ.
وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانَ يَسِيرُ نَحْوَ الْهَاوِيَةِ، ثُمَّ يَكْتُبَ لَهُ عَنْ جَمَالِ الطَّرِيقِ.
لِذَلِكَ يَبْكِي.
وَلِذَلِكَ يَكْتُبُ.
وَلِذَلِكَ لَنْ يَصْمُتَ.
إِنَّ الْقَلَمَ الَّذِي يَحْمِلُ هَمَّ الْعَالَمِ لَا يَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ اللَّامُبَالَاةِ.
فَالْعَالَمُ لَيْسَ خَارِجَهُ؛ إِنَّهُ فِي قَلْبِهِ.
وَقَضَايَا النَّاسِ لَيْسَتْ أَخْبَارًا عَابِرَةً عِنْدَهُ؛ إِنَّهَا جُرُوحٌ تَمُرُّ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى حُرُوفٍ.
وَلَعَلَّ أَعْظَمَ مَا يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ التَّرْبِيَةُ الْإِيمَانِيَّةُ أَنَّ رِقَّةَ الْقَلْبِ لَيْسَتْ عَيْبًا، وَأَنَّ الدَّمْعَةَ لَيْسَتْ دَلِيلَ ضَعْفٍ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَتَفَكُّرِهِ، وَكَانَ صَحَابَتُهُ وَالصَّالِحُونَ مِنْ بَعْدِهِ أَرَقَّ قُلُوبًا وَأَغْزَرَ دَمْعًا.
وَقَالَ ﷺ:
«لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
فَلَيْسَ الْبُكَاءُ هُنَا هَرَبًا مِنَ الْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ عُمْقٌ فِي فَهْمِهَا، وَلَيْسَ انْكِسَارًا أَمَامَهَا، بَلْ إِحْسَاسٌ بِثِقَلِ الْأَمَانَةِ فِيهَا.
وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ الْبُكَاءُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ.
هُنَا يَتَحَوَّلُ الدَّمْعُ مِنْ ضَعْفٍ إِنْسَانِيٍّ إِلَى لُغَةِ افْتِقَارٍ وَخُضُوعٍ وَدُعَاءٍ.
فَالْعَبْدُ قَدْ تَعْجِزُ لِسَانُهُ عَنْ التَّعْبِيرِ، وَقَدْ تَعْجِزُ يَدُهُ عَنِ الْفِعْلِ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفَعَ شَكْوَاهُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
وَمَا أَصْعَبَ مَوْقِفَ الْمَظْلُومِ حِينَ لَا يَمْلِكُ مِنْ قُوَّةٍ إِلَّا دَمْعَةً، وَمِنْ سِلَاحٍ إِلَّا دُعَاءً.
يَقِفُ أَمَامَ الظَّالِمِ، وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُوَاجَهَتِهِ، فَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَيَقُولُ بِقَلْبٍ مُنْكَسِرٍ:
حَسْبِيَ اللهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَهُنَا يَكُونُ الظَّالِمُ فِي مُوَاجَهَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ مَدَاهَا؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْمَظْلُومِ لَيْسَتْ دَائِمًا دَمْعَةَ عَجْزٍ، بَلْ قَدْ تَكُونُ دَمْعَةَ شَكْوَى إِلَى مَنْ لَا يُغْلَبُ، وَلَا يَظْلِمُ، وَلَا يَضِيعُ عِنْدَهُ حَقٌّ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَلَمَ الَّذِي يَبْكِي لِلْحَقِّ لَيْسَ قَلَمًا مَهْزُومًا.
إِنَّهُ قَلَمٌ يُقَاوِمُ.
وَالْقَلَمُ الَّذِي يَحْزَنُ لِسُقُوطِ الْقِيَمِ لَيْسَ قَلَمًا مُتَشَائِمًا.
إِنَّهُ قَلَمٌ مَا زَالَ يُؤْمِنُ بِإِمْكَانِ النُّهُوضِ.
وَالْقَلَمُ الَّذِي يَبْكِي لِلْمُقَدَّسِ لَيْسَ قَلَمًا يَهْرُبُ مِنَ الْحَيَاةِ.
إِنَّهُ قَلَمٌ يُرِيدُ لِلْحَيَاةِ أَنْ تَكُونَ أَكْرَمَ وَأَنْقَى وَأَعْدَلَ وَأَقْرَبَ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ.
وَهَا أَنَا الْيَوْمَ أَتْرُكُ قَلَمِي يَبْكِي.
لَا لِأَنِّي اسْتَسْلَمْتُ لِلْحُزْنِ، بَلْ لِأَنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّ بَعْضَ الدُّمُوعِ يَجِبُ أَنْ تُكْتَبَ، وَأَنَّ بَعْضَ الْأَحْزَانِ يَجِبُ أَنْ تُقَالَ، وَأَنَّ بَعْضَ الصَّمْتِ يُصْبِحُ خِيَانَةً حِينَ يَكُونُ الْحَقُّ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ.
فَلْيَبْكِ قَلَمِي مَا شَاءَ.
وَلْيَكْتُبْ دُمُوعَهُ حُرُوفًا.
وَلْيَجْعَلْ مِنْ حُزْنِهِ مَوْقِفًا، وَمِنْ دَمْعِهِ شَهَادَةً، وَمِنْ حُرِّيَّتِهِ رِسَالَةً.
فَرُبَّ قَلَمٍ يَبْكِي الْيَوْمَ، لِيَكْتُبَ غَدًا أَسْطُرًا تَبْقَى.
وَرُبَّ دَمْعَةٍ سَقَطَتْ فِي صَمْتٍ، كَانَتْ أَصْدَقَ مِنْ خُطَبٍ طَوِيلَةٍ تَعَلَّمَ أَصْحَابُهَا كَيْفَ يَتَكَلَّمُونَ، وَلَمْ يَتَعَلَّمُوا كَيْفَ يَشْعُرُونَ.
فَالْقَلَمُ الَّذِي لَا يَبْكِي لِمَا يَرَى، قَدْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، وَلَا فَاتِنِينَ وَلَا مَفْتُونِينَ، وَلَا زَالِّينَ وَلَا مُزِلِّينَ، وَلَا ظَالِمِينَ وَلَا مَظْلُومِينَ.
اللَّهُمَّ أَخْرِجْنَا مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ، وَإِلَيْكَ رَاجِعِينَ، وَإِلَى رِضْوَانِكَ سَائِرِينَ.
آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
بِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
