الشجرة التى تستحق كل هذا الإهتمام
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لا أحد يمكنه أن يعترض على إنقاذ شجرة معمرة. ولا يمكن لعاقل أن يرى شجرة عملاقة مهددة بالسقوط ثم يطالب بتركها لمصيرها. إن إنقاذ الأشجار ونقلها وإعادة زراعتها متى سمحت حالتها الفنية بذلك هو سلوك يستحق التقدير. وهو أيضاً رسالة مهمة تقول إن الشجرة ليست مجرد كتلة خشبية يمكن الإستغناء عنها بمجرد أن تتعارض مع مشروع أو طريق أو تخطيط جديد.
لكن المشهد الأخير فى مصر الجديدة يفتح باباً آخر من الأسئلة. وليس إعتراضاً على عملية النقل نفسها. وإنما على حجم الإهتمام الإعلامى المصاحب لها. فقد تابعت وزارة التنمية المحلية والبيئة ومحافظة القاهرة عملية نقل شجرة بونسيانا عملاقة بعد سقوطها. وإستمرت العملية نحو ست ساعات. وإستخدمت خلالها معدات متخصصة للحفاظ على جذور الشجرة وإعادة زراعتها فى موقع قريب.
وهنا يسأل المواطن ببساطة. إذا كانت الشجرة تستحق كل هذا الإهتمام عندما تسقط. فلماذا لا يكون الإهتمام نفسه حاضراً بالقدر ذاته قبل أن تصل الأشجار إلى مرحلة الخطر. ولماذا لا تصبح حماية الأشجار المعمرة جزءاً ثابتاً من كل مشروع تطوير. بدلاً من أن تتحول بعض الوقائع إلى مشاهد إستثنائية تستحق المتابعة والتغطية والبيانات.
السؤال لا يوجه إتهاماً إلى أحد. ولا ينكر ما قامت به الأجهزة التنفيذية فى واقعة مصر الجديدة. لكنه يضع أمامنا قضية أكبر من شجرة واحدة. فالقيمة الحقيقية ليست فى إنقاذ شجرة بعد سقوطها فقط. وإنما فى منع وصولها إلى هذه اللحظة أصلاً. وهذا يبدأ من الحصر العلمى للأشجار المعمرة. ويمتد إلى تقييم حالتها. ثم إختيار أسلوب التعامل معها قبل تنفيذ أى مشروع يقترب من جذورها أو تاجها.
واللافت أن هذا السؤال يأتى فى توقيت أصبحت فيه قضية الأشجار حاضرة بقوة فى النقاش العام. فقد أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة فى أغسطس الماضى توجيهات بحصر الأشجار التى أزيلت فى أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود. مع بحث أسباب إزالتها بدلاً من نقلها. والتوجيه بإستعاضة الأشجار التى تمت إزالتها بأعداد مضاعفة.
وهذا يعنى أن الفكرة نفسها أصبحت واضحة. الأشجار القائمة لها قيمة لا تعوض بسهولة. والشجرة المعمرة ليست شتلة يمكن أن نضع مكانها شتلة أخرى ثم نقول إن العدد قد إكتمل. فالعمر الذى قضته الشجرة فى المكان لا يمكن إختصاره فى عدد شتلات جديدة. والظل الذى صنعته خلال عشرات السنين لا يمكن تعويضه بمجرد زراعة شجرة صغيرة فى اليوم التالى.
ومن هنا فإن المواطن الذى شاهد عملية نقل البونسيانا ثم تذكر مشاهد أخرى لأشجار أزيلت أو تعرضت للإزالة فى سياقات مختلفة. من حقه أن يسأل عن معيار واحد واضح. متى يكون النقل هو الخيار الأول. ومتى تكون الإزالة ضرورة فنية لا بديل عنها. ومن يقرر ذلك. وهل يتم الرجوع دائماً إلى المتخصصين فى الزراعة وتنسيق المواقع وتقييم الأشجار قبل إتخاذ القرار.
هذه ليست أسئلة ضد التشجير. بل هى أسئلة من أجل التشجير الحقيقى. وليست إعتراضاً على إستخدام المعدات الحديثة. بل مطالبة بأن تتحول هذه المعدات من حدث إعلامى إستثنائى إلى جزء من منظومة دائمة لحماية الأشجار التى يمكن نقلها وإنقاذها.
لقد أعلنت محافظة القاهرة أن خطة تخضير القاهرة سوف تنفذ وفق رؤية علمية وبالإستعانة بالخبراء والمتخصصين لإختيار الأشجار الملائمة للبيئة. وهذا هو الإتجاه الذى ينتظره المواطن بالفعل.
فالنجاح الحقيقى لا يقاس بعدد الأشجار التى تظهر فى الصور الرسمية. ولا بعدد المعدات التى شاركت فى نقل شجرة واحدة. وإنما يقاس بعد سنوات. عندما تبقى الأشجار التى كانت موجودة أصلاً. وتكبر الأشجار الجديدة. وتصبح حماية المساحات الخضراء جزءاً من التخطيط قبل التنفيذ لا معالجة لاحقة بعد وقوع المشكلة.
إن إنقاذ شجرة بونسيانا عملاقة مشهد جميل ويستحق الإشادة. لكن الأجمل منه أن تصبح حماية كل شجرة معمرة سياسة مستمرة. وأن يشعر المواطن أن الشجرة التى عاشت عشرات السنين فى شارع أو ميدان لها صاحب يحميها. ولهذا فإن السؤال الحقيقى ليس لماذا نقلتم هذه الشجرة. بل لماذا لا تصبح كل شجرة قابلة للإنقاذ محل هذا الإهتمام قبل أن تصل إلى لحظة السقوط.
الشجرة لا تحتاج إلى شو إعلامى. الشجرة تحتاج إلى علم. وتخطيط. ومتخصصين. وقرار يحترم عمرها وقيمتها. فإذا أصبح هذا هو الأصل. فلن نحتاج كل مرة إلى ست ساعات لإنقاذ شجرة. لأننا سنكون قد أمضينا سنوات طويلة فى حمايتها من السقوط.
