📁عاااااااااجل

حين يصبح الماضى اجمل ذكرياتنا

 حين نشتاق إلى أيامٍ تمنّينا يومًا أن تنتهي


كتب/طلبه عبدالكريم الجازوى

غريب أمر الإنسان مع الزمن...


نحن الذين كنا نعدّ الأيام حتى تنتهي، ونحلم بيومٍ أفضل، ونقول لأنفسنا: متى تنتهي هذه الأيام الصعبة؟

نجد أنفسنا بعد سنوات نقف أمام الماضي، لا لنلعنه كما كنا نفعل، بل لنشتاق إليه... ونتمنى لو يعود بنا الزمن إليه ولو ليوم واحد.


لماذا؟


لماذا نشتاق إلى أيام كان فيها الفقر حاضرًا، والتعب رفيقًا، والمشقة جزءًا من تفاصيل الحياة؟

لماذا نتذكر تلك الأيام بابتسامة، رغم أننا عشنا فيها ما يكفي من الوجع؟


ربما لأننا لم نكن نشتاق إلى الفقر ولا إلى التعب، وإنما كنا نشتاق إلى أشياء كانت تختبئ خلفهما.


نشتاق إلى بيتٍ كان يجمعنا جميعًا، وإلى وجوهٍ كانت موجودة ثم غيّبها الموت، وإلى أشخاصٍ كنا نظن أن وجودهم في حياتنا أمرٌ عادي، فاكتشفنا بعد رحيلهم أن وجودهم كان نعمة لا تتكرر.


نشتاق إلى ضحكة كانت تخرج من القلب دون ترتيب، وإلى جلسة بسيطة لا تحتاج إلى هاتف ولا إلى موعد ولا إلى حسابات.

نشتاق إلى أيام كانت فيها الأشياء قليلة، لكن القلوب كانت أكثر امتلاءً.


كان يمكن لطبق بسيط أن يجمع الأسرة حوله، وكان كوب الشاي سببًا في جلسة طويلة، وكانت الزيارة لا تحتاج إلى دعوة رسمية، وكان الجار يعرف أخبار جاره، والقريب حاضرًا وقت الحاجة.


أما اليوم، فقد كثرت الأشياء من حولنا، وقلّ ما يجمعنا.


كبرنا، وتغيرت الحياة، وتغيرنا معها.

أصبح لكل واحدٍ منا طريقه وهمومه وحساباته، وصارت المسؤوليات أثقل، والأيام أسرع، والقلوب أكثر حذرًا.


ولهذا، حين نلتفت إلى الوراء، لا نرى الماضي كما كان تمامًا...

بل نراه من خلال حنيننا إليه.


فالذاكرة لا تحفظ كل شيء؛ أحيانًا تمسح من الصورة بعض التعب، وتُبقي لنا الوجوه والضحكات واللحظات الصغيرة التي لم نكن ندرك قيمتها وقتها.


وهذه هي المفارقة التي لا نفهمها إلا متأخرين:


كنا نعيش الماضي ونحن نحلم بالمستقبل، وحين جاء المستقبل، أصبحنا نحلم بالماضي.


كنا نريد أن نكبر سريعًا، وحين كبرنا تمنينا لو يعود بنا العمر إلى الوراء.


كنا نريد أن نغادر تلك الأماكن، ثم اشتقنا إلى شوارعها وبيوتها ورائحتها.


كنا نتمنى أن تنتهي أيام التعب، ثم اكتشفنا أن بعض أجمل ذكرياتنا كانت مختبئة داخل تلك الأيام.


ولعل أقسى ما في الحنين ليس أننا نريد الماضي نفسه أن يعود، وإنما أننا نريد أشخاصًا رحلوا، وأعمارًا مضت، ونسخًا قديمة منا لم تعد موجودة.


نريد أن نعود للحظة واحدة فقط، لا لنغير شيئًا، بل لننظر في عيون من نحبهم ونقول لهم:

لم نكن نعرف وقتها أن وجودكم هو أجمل ما في تلك الأيام.


لكن الزمن لا يعود.


وهذه حقيقة مؤلمة، لكنها تعلمنا شيئًا مهمًا:

لا تنتظر حتى يصبح الحاضر ماضيًا حتى تعرف قيمته.


انظر حولك الآن...


قد تكون هناك جلسة ستشتاق إليها يومًا، ووجهٌ ستبحث عنه في الصور، وبيتٌ ستتمنى أن تسمع فيه ضحكةً قديمة، وأيامٌ تظن أنها عادية بينما هي، في الحقيقة، تصنع ذكريات عمرك القادمة.


لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا نشتاق إلى الماضي؟


بل السؤال الأهم:


هل نعيش حاضرنا بطريقة تجعلنا، حين يصبح ماضيًا، نشتاق إليه؟


فالزمن لا يمنحنا فرصة ثانية، والأيام التي تمر الآن لن تعود مرة أخرى.


وقد يأتي يوم نجلس فيه ونقول:


كانت أيامًا متعبة... نعم، لكنها كانت أجمل مما كنا نعرف.


وحينها سندرك أن بعض النعم لا نعرف قيمتها وهي بين أيدينا، وإنما نعرفها فقط عندما تصبح ذكرى.

طلبه عبدالكريم
طلبه عبدالكريم
تعليقات