أكتوبرما بين الوثيقة والرصاصة
كتبت : نشوى على
حكاية حرب لا ترويها الصور وحدها
من غرف التخطيط والاستخبارات.. إلى دفتر جندي عاش خمسة أيام من النار.
وثائق تكشف ما جرى في غرف التخطيط وما لم تفهمه غرف الاستخبارات وما كتبه جندي مصري في خمسة أيام من النار
ليست كل الحروب تبدأ لحظة إطلاق النار.
بعضها يبدأ قبل ذلك بسنوات داخل غرف مغلقة، فوق خرائط لا يراها أحد، وفي دفاتر تحمل أرقامًا وأسماءً لا تبدو للوهلة الأولى كأنها ستصبح يومًا جزءًا من التاريخ.
وحرب أكتوبر 1973 واحدة من تلك الحروب التي لا يمكن فهمها من صورة العبور وحدها.
فوراء السادس من أكتوبر كانت هناك عملية تخطيط عسكري طويلة ووثائق استخباراتية أمريكية وقرارات سياسية وعسكرية، ثم حرب امتدت إلى ما هو أبعد من الضفة الشرقية لقناة السويس، حتى وصلت في أيامها الأخيرة إلى أزمة دولية رفعت الولايات المتحدة خلالها درجة الاستعداد النووي إلى DEFCON 3.
لكن ربما تكون المفارقة الأهم أن بعض الوثائق التي كُتبت قبل الحرب لم تكن تفتقر بالضرورة إلى المعلومات، وإنما كانت المشكلة في كيفية قراءة تلك المعلومات.
في 20 ديسمبر 1973، أعدت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تقريرًا أوليًا لتقييم أدائها قبل اندلاع الحرب.
وبعد عقود، نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية نسخة من هذه الوثائق، ووصفت حرب أكتوبر بأنها كشفت إخفاق مجتمع الاستخبارات الأمريكي في توقع اندلاع الحرب. وتشير الدراسة إلى أن محللي الاستخبارات كانوا قد خلصوا قبل السادس من أكتوبر إلى أن العرب لن يشنوا هجومًا، متأثرين بتقديرات تتعلق بقدرات الجيوش العربية ودوافعها.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر القصص إثارة في الوثائق.
المشكلة لم تكن ببساطة أن أجهزة الاستخبارات لم تكن ترى شيئًا.
كانت هناك معلومات وتحركات ومؤشرات لكن تفسيرها جرى داخل إطار ذهني جعل احتمال الحرب يبدو أقل ترجيحًا.
والتقرير الأمريكي اللاحق أشار تحديدًا إلى عوامل مثل الافتراضات المسبقة حول القدرات العسكرية العربية وتراكم المعلومات ونماذج تفسير سلوك الخصم وضغط التفكير الجماعي باعتبارها من العوامل التي أثرت في التحليل.
وبذلك تحولت الحرب في لحظة اندلاعها إلى مفاجأة ليس لأن كل المؤشرات كانت غائبة وإنما لأن قراءة تلك المؤشرات لم تقُد إلى الاستنتاج الصحيح.
وهذه واحدة من أهم دروس أكتوبر التي بقيت في الوثائق بعد انتهاء المعارك.
على الجانب المصري، تكشف وثائق وزارة الدفاع المصرية المنشورة ضمن مجموعة «وثائق حرب أكتوبر 1973» أن التخطيط لم يكن مجرد خطة عبور للقناة.
قسمت وزارة الدفاع الوثائق إلى ملفات متعددة من بينها: التخطيط الاستراتيجي العسكري، إدارة الحرب بمراحلها، التخطيط للتعامل مع الثغرة، فض الاشتباك وانسحاب القوات الإسرائيلية، والإعلام العسكري، إلى جانب مذكرات القادة.
وتصف وثيقة «التخطيط الاستراتيجي العسكري» مراحل شملت التوجيه السياسي العسكري وإعداد فكر استخدام القوات المسلحة وقرار القيادة وإعداد خطط العمليات والخطط التكميلية والتعاون الاستراتيجي، ثم الإشراف والمراجعة واختبار التخطيط.
أي أن الصورة التي تقدمها الوثائق هي أن يوم السادس من أكتوبر لم يكن بداية التفكير في الحرب. كان بداية ظهور التفكير إلى العلن.
وعندما ننظر إلى الحرب من هذه الزاوية يصبح العبور نفسه جزءًا من منظومة أكبر قرار، تخطيط، إعداد، تنفيذ، إدارة للقتال، ثم التعامل مع تطورات الحرب بعد الأيام الأولى.
لكن الخرائط لا تخبرنا كيف كانت الحرب تبدو بالنسبة للجندي. وهنا تظهر وثيقة مختلفة تمامًا.
في المكتبة الوطنية الإسرائيلية توجد يوميات لجندي مصري يُدعى ناجي علي، كان برتبة رقيب وخدم على جبهة قناة السويس. وتغطي اليوميات خمسة أيام فقط من 6 إلى 10 أكتوبر 1973.
الأكثر غرابة أن الدفتر لم يكن معدًا أصلًا لكتابة المذكرات.
كان دفترًا مرتبطًا باختبار صاروخ مضاد للدبابات سوفيتي الصنع.
ثم اندلعت الحرب.
فتحول دفتر الاختبار إلى دفتر يوميات.
وفي اليوم الأول السادس من أكتوبر، بدأ ناجي علي تسجيل ما يحدث من منطقة شلوفة بينما كان القتال قد بدأ بالفعل. وتوثق اليوميات تفاصيل عن التحرك والقتال والمواقع والمعدات قبل أن تتحول تدريجيًا إلى سجل شخصي لحياة جندي داخل الحرب.
وفي التاسع من أكتوبر، كتب عن انتقاله إلى الضفة الشرقية وعودته من أحد المواقع حاملًا أشياء صغيرة: شوكة، وزجاجة كوكاكولا، وأشياء أخرى.
تفصيل يبدو عاديًا جدًا ولكن قيمته التاريخية تأتي من أنه يجعل الحرب فجأة أقل تجريدًا.
لم تعد «عملية عسكرية» على خريطة ،أصبحت جنديًا يتناول الإفطار، يتحرك بين المواقع، يحمل الذخيرة، يلاحظ الأشياء الصغيرة، ثم يكتب في نهاية اليوم.
وفي العاشر من أكتوبر، تنتهي اليوميات بجملة بسيطة عن تحميل الذخيرة والأسلحة والمرور بأمان.
ثم يتوقف الدفتر...
ولا تعرف المكتبة الوطنية الإسرائيلية ماذا حدث لناجي علي بعد ذلك، هل فقد الدفتر؟ هل عاد من الجبهة؟ هل قُتل؟ لا توجد إجابة مؤكدة في الوثيقة.
وهنا تصبح النهاية أقوى من أي خطاب.
لأن خمسة أيام فقط بقيت لنا من حياة رجل كان يعيش حربًا ستستمر بعد انتهاء يومياته بأسبوعين.
لو كان السادس من أكتوبر هو المشهد الذي تتوقف عنده الحكايات عادة، فإن الوثائق تقول شيئًا آخر.
وزارة الدفاع المصرية تفرد ملفًا مستقلًا لإدارة الحرب بمراحلها حتى وقف إطلاق النار، وملفًا آخر للتعامل مع الثغرة والخطط المرتبطة بها.
كما توثق ملفات فض الاشتباك والانسحاب التطورات التي أعقبت قرارات وقف إطلاق النار في أواخر أكتوبر، ثم المباحثات العسكرية التي عُرفت بمباحثات الكيلو 101.
وهنا تتغير طبيعة القصة.
فالحرب لم تعد مجرد سؤال: من عبر القناة؟
بل أصبحت سلسلة أسئلة أخرى:
كيف تُدار الحرب عندما تتغير موازين القتال؟
كيف تتعامل القيادة مع اختراقات وتطورات ميدانية لم تكن في الصورة الأولى؟
كيف تتحول العمليات العسكرية إلى مفاوضات؟
ومتى يصبح ما يحدث على الأرض قضية دولية؟
في 30 أكتوبر 1973، كانت الأزمة قد تجاوزت حدود مصر وإسرائيل.
وثيقة أمريكية رفعت عنها السرية صادرة عن مجموعة تخطيط العمليات بهيئة الأركان المشتركة توثق أن القوات الأمريكية وُضعت في حالة DEFCON 3 وسط أزمة وقف إطلاق النار في ظل تطورات مرتبطة بالجيش الثالث المصري والقوات الإسرائيلية، والقلق السوفيتي، واتصالات بين موسكو وواشنطن.
وهكذا وصلت حرب بدأت على ضفتي قناة السويس إلى مستوى أصبحت فيه القوتان العظميان تراقبان احتمالات التصعيد المباشر.
كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي طرفين في نظام دولي شديد الحساسية والحرب في الشرق الأوسط أصبحت جزءًا من حسابات أوسع بكثير من حدود سيناء والجولان.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن قراءة أكتوبر باعتبارها معركة عسكرية فقط.
كانت هناك في الوقت نفسه:
حرب على الأرض ،وحرب في غرف القيادة، وحرب في غرف الاستخبارات وحرب دبلوماسية في العواصم الكبرى.
بعد أكثر من نصف قرن، أصبح من السهل أن تختصر الحرب في مشاهد معروفة: جنود يعبرون القناة ،علم يرفرف فوق الضفة الشرقية، ساتر ترابي ينهار وصور لمعدات عسكرية.
لكن الوثائق تفتح بابًا مختلفًا. فهي تخبرنا أن وراء الصورة كانت هناك سنوات من التخطيط، وأن المعلومات الاستخباراتية يمكن أن تكون كثيرة ومع ذلك تُفسر بطريقة خاطئة، وأن الجندي الذي يخوض الحرب قد يحمل دفترًا صغيرًا لا يعرف أحد أنه سيصبح بعد سنوات وثيقة تاريخية.
وتخبرنا أيضًا أن الحرب لا تنتهي بالضرورة عندما تتوقف المدافع.
فالقرارات الدولية، ومفاوضات وقف إطلاق النار، وترتيبات فض الاشتباك، كلها جزء من الحكاية.
ربما لهذا السبب لا تحتاج حرب أكتوبر إلى مبالغة حتى تبدو كبيرة، فالوثائق وحدها كافية.
وثيقة استخباراتية أمريكية تقول إن أجهزة الاستخبارات أخطأت في قراءة احتمال الحرب.
وثائق عسكرية مصرية تكشف منظومة التخطيط وإدارة العمليات كما تعرضها وزارة الدفاع المصرية.
دفتر صغير لجندي مصري، كتب فيه خمسة أيام فقط من حياته، ثم اختفى صوته من الأوراق.
ووثيقة أمريكية أخرى تُظهر كيف تحولت الحرب في أيامها الأخيرة إلى أزمة وضعت القوتين العظميين على درجة عالية من الاستعداد.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا حدث في السادس من أكتوبر؟
بل: كيف أمكن لحرب بهذا الحجم أن تبدأ، وتُدار، وتتطور، ثم تتحول من معركة على قناة السويس إلى أزمة هزت النظام الدولي كله؟
الإجابة لا توجد في صورة واحدة ،إنها موزعة بين خريطة، وتقرير استخبارات، وخطة عمليات، ودفتر جندي، وبرقية دبلوماسية.
وهناك بين هذه الأوراق، تبدأ الحكاية الحقيقية لأكتوبر.
