لماذا تتجمّل المدن أمام المسؤول؟
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك مشهد يتكرر فى بعض المناطق كلما إقتربت زيارة مسؤول. فجأة تتحرك عجلة العمل بوتيرة مختلفة. تتنظف الشوارع. تُرفع المخلفات. تُغسل الأرصفة. تُهذّب المساحات الخضراء. تُزرع بعض الأشجار أو تُعاد زراعة ما يمكن إنقاذه. وتختفى. ولو مؤقتاً. مشاهد كانت حاضرة فى المكان لأيام أو أسابيع. يصبح الشارع أكثر ترتيباً. ويبدو الرصيف أكثر نظافة. وتظهر المنطقة فى صورة تليق بضيف رسمى قادم ليتفقدها أو يفتتح بها مشروعاً أو يمر من خلالها. وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً. لكنه شديد الدلالة. إذا كانت الأجهزة التنفيذية قادرة على إنجاز كل ذلك فى ساعات أو أيام قليلة إستعداداً لزيارة مسؤول. فلماذا لا تستطيع أن تجعل هذه الصورة هى الوضع الطبيعى للشارع طوال العام؟
المشكلة ليست فى أن تستعد الأجهزة التنفيذية لزيارة مسؤول. فهذا أمر طبيعى إذا كان الإستعداد جزءاً من منظومة العمل والتنظيم. المشكلة تبدأ حين يصبح الإهتمام بالمكان مرتبطاً بموعد الزيارة. وكأن جودة الخدمة العامة تحتاج إلى عين تراقبها من أعلى حتى تتحرك. فالمواطن الذى يسير فى الشارع كل صباح ليس أقل قيمة من المسؤول الذى سيمر فيه لدقائق. والطفل الذى يذهب إلى مدرسته وسط شارع نظيف ليس أقل إستحقاقاً من موكب يمر فى الطريق نفسه. وكبار السن. وأصحاب المحال. وسكان المنطقة جميعاً. هؤلاء لا يزورون أحياءهم زيارة رسمية. هؤلاء يعيشون فيها. ومن حقهم أن يجدوا النظافة والرصف والتشجير والإنارة ورفع المخلفات بإعتبارها خدمة مستمرة. لا بإعتبارها مشهداً إستثنائياً يجرى إعداده قبل وصول مسؤول.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض صور الإستنفار التى تصاحب الزيارات الرسمية قد تصل إلى تعطيل جانب من الحياة اليومية للعاملين. تتغير جداول العمل. وتتزايد ساعات الجهد. وقد تضيق مساحات الإجازات أو تتأجل بعض الأعمال والمهام الأخرى حتى يكتمل المشهد فى خط السير المحدد. وهنا لا بد من التمييز بين الإنضباط المهنى المطلوب وبين تحويل زيارة المسؤول إلى حالة طوارئ إدارية. فالعمل الحكومى لا ينبغى أن ينتظر مناسبة رسمية حتى يستعيد نشاطه. والإنضباط الحقيقى لا يظهر فى يوم الزيارة فقط. وإنما يظهر فى كل يوم لا توجد فيه كاميرات. ولا موكب. ولا مسؤول يمر بالمكان.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم. هل تتحرك بعض مواقع العمل بدافع المسؤولية أم بدافع الخوف من المساءلة؟ لا يمكن الجزم بدوافع الأفراد أو إتهام العاملين جميعاً بأن الخوف هو محركهم. لكن الظاهرة نفسها تستحق التوقف أمامها. لأن الإدارة التى لا تتحرك بالكفاءة نفسها إلا تحت ضغط زيارة أو تفتيش أو متابعة عليا. تحتاج إلى مراجعة آليات العمل قبل أن تحتاج إلى زيادة التعليمات. فالموظف الذى يعرف أن الشارع مسؤوليته كل يوم. لن يحتاج إلى إنتظار مكالمة عاجلة حتى يرفع المخلفات. والمسؤول التنفيذى الذى يرى أن منصبه أمانة. لن يحتاج إلى وجود مسؤول أعلى حتى يتذكر أن المواطن يستحق خدمة محترمة.
والأخطر أن الصورة التى تُصنع إستعداداً للزيارة قد تمنح إنطباعاً بأن المشكلة إنتهت. بينما قد تكون الحقيقة مختلفة. فبعد إنتهاء الزيارة. وإنصراف الموكب. وإنتهاء حالة الإستنفار. قد تعود بعض المظاهر إلى سابق عهدها. وقد تتراكم المخلفات مرة أخرى. وقد يتراجع الإهتمام بالمساحات الخضراء. وقد يفقد الرصيف ما إكتسبه من نظافة مؤقتة. وكأن المكان كان يرتدى ثوباً رسمياً لساعات ثم عاد إلى ثوبه القديم. وهنا لا تصبح المشكلة فى ضعف القدرة على الإنجاز. بل فى غياب الإستمرارية. لأن القدرة التى ظهرت أمام المسؤول كانت موجودة قبل حضوره. والسؤال إذن ليس: لماذا لم نستطع أن نفعل؟ وإنما: لماذا لم نفعل قبل أن يأتى؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الإدارة هو أن تجعل الإستثناء يبدو قاعدة. أن تقدم فى يوم واحد ما كان ينبغى أن تقدمه طوال العام. أن تلمّع واجهة المكان بينما تظل التفاصيل اليومية تعانى من الإهمال. فالمدينة لا تحتاج إلى يوم جميل يراه المسؤول. وإنما تحتاج إلى مئات الأيام الجميلة التى يعيشها المواطن. والشارع لا يصبح نظيفاً لأن مسؤولاً مر فيه. وإنما لأن منظومة النظافة تعمل بكفاءة. ولأن المسؤول التنفيذى يتابع. والعامل يؤدى واجبه. والمواطن يتعاون، والمحاسبة لا ترتبط بموعد زيارة.
ثم إن إحترام المسؤول لا ينبغى أن يكون على حساب إحترام المواطن. والمسؤول نفسه حين يزور منطقة. فإنه فى الحقيقة يأتى ليتفقد واقعاً يخدم المواطنين. ولذلك فإن أفضل إستقبال للمسؤول ليس أن نصنع له شارعاً مثالياً لم يكن موجوداً بالأمس. وإنما أن نريه الواقع كما هو. وأن نضع أمامه ما تحقق فعلاً. وما لم يتحقق. وما يحتاج إلى دعم. وما يحتاج إلى قرار. لأن الزيارة التى ترى الحقيقة يمكن أن تصنع إصلاحاً. أما الزيارة التى ترى مشهداً معداً بعناية. فقد تمنح إنطباعاً مؤقتاً لا يعكس الحياة اليومية للسكان.
ومن هنا أن يراعى الله فى العمل لا يحتاج إلى شعارات كبيرة. إنه يبدأ من تفاصيل تبدو صغيرة. عامل يرفع المخلفات فى موعده. مسؤول يتابع منطقة لا توجد فى خط سير أحد. مهندس يراجع أعماله بضمير. رئيس لا ينتظر شكوى حتى يتحرك. وإدارة تعتبر المال العام والوقت العام وجهد العاملين أمانة. فالموظف لا يعمل فقط حين يكون هناك من يراقبه. والمسؤول لا يصبح مسؤولاً فى يوم الزيارة فقط. الوظيفة العامة فى جوهرها عهد بين الإنسان والمجتمع. وكل تقصير فيها لا يُقاس فقط بما يراه المدير. وإنما بما يعيشه المواطن.
ولعل المفارقة الأكبر أن الزيارات الرسمية. إذا أُديرت بالشكل الصحيح. يمكن أن تكون فرصة لكشف المشكلات لا لإخفائها. فالمسؤول الذى يدخل منطقة نظيفة تماماً. ثم يعلم أن هذه النظافة سبقتها حالة إستنفار إستثنائية. قد يحتاج إلى سؤال آخر أكثر أهمية من سؤال النظافة نفسها. لماذا إحتجنا إلى زيارة حتى نفعل ما نستطيع فعله كل يوم؟ ولماذا إحتاج الشارع إلى ضيف حتى يحصل على حقه؟ ولماذا تستطيع الأجهزة التنفيذية إنجاز أعمال كثيرة فى وقت محدود عندما يصبح الأمر عاجلاً. بينما تتأخر بعض الأعمال فى الظروف العادية؟
إن المدن لا تُدار بالمناسبات. ولا تُبنى بالإستنفار المؤقت. ولا تحتاج إلى مساحيق إدارية تخفى عيوبها لبضع ساعات. المدينة الحقيقية هى التى تبقى نظيفة بعد مغادرة المسؤول كما كانت قبل وصوله. وهى التى لا تحتاج إلى خط سير خاص حتى تظهر بصورة محترمة. وهى التى يشعر فيها المواطن بأن الشارع الذى يعيش فيه له القيمة نفسها التى يحظى بها الشارع الذى يمر فيه موكب رسمى.
ولذلك فإن معيار نجاح الإدارة ليس فى قدرتها على تجميل المكان قبل الزيارة. وإنما فى قدرتها على أن تجعل التجميل غير ضرورى من الأساس. حين يصبح الشارع نظيفاً لأن هذا هو نظام العمل. وحين تكون الأشجار موجودة لأنها جزء من خطة مستمرة. وحين تُرفع المخلفات لأنها مسؤولية يومية. وحين لا يحتاج العامل إلى الخوف حتى يؤدى واجبه. ولا يحتاج المسؤول إلى زيارة حتى يتابع. عندها فقط نكون قد إنتقلنا من إدارة تتحرك تحت ضغط المناسبة إلى إدارة تعمل من أجل الإنسان.
فالمدينة ليست مسرحاً يُجهز قبل دخول المسؤول. والمواطن ليس متفرجاً ينتظر إنتهاء العرض. المدينة بيت كبير يسكنه الجميع. وإذا كانت قادرة على أن تبدو جميلة فى يوم الزيارة. فالأجدر أن تكون جميلة فى اليوم الذى يليه. واليوم الذى بعده. وفى كل يوم لا يصفق فيه أحد. ولا تصوره كاميرا. ولا يمر فيه موكب. لأن أجمل ما يمكن أن تراه الإدارة ليس مسؤولاً معجباً بما أعدته له. وإنما مواطن يعيش كل يوم فى مكان نظيف ومنظم. دون أن يعرف أصلاً أن هناك زيارة لمسؤول قد تمت.
