كرش المنصب وثقل الكرسى
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك سؤال يبدو للوهلة الأولى ساخراً. لكنه يستحق أن نتوقف أمامه قليلاً. لماذا يبدو بعض شاغلى المناصب القيادية أكثر إمتلاءً بعد سنوات من الجلوس على مقعد المسؤولية؟.
الرجل نفسه الذى عرفناه موظفاً بسيطاً رشيق الحركة. كان يصعد السلم دون أن يفكر كثيراً فى الأمر. كان يتحرك بين الإدارات. يمر على مواقع العمل. يقف مع العاملين. يتابع التفاصيل بنفسه. ثم يتغير المشهد بعد توليه منصباً قيادياً. يبدأ المكتب فى إبتلاعه شيئاً فشيئاً. ويصبح الكرسى أكثر حضوراً من الميدان. وتصبح التقارير أقرب إلى عينيه من الواقع الذى تتحدث عنه هذه التقارير.
وبعد فترة قد يلاحظ الناس تغيراً واضحاً فى هيئته. إمتلاء فى الوجه. زيادة فى محيط الخصر. بطء فى الحركة. ساعات طويلة خلف المكتب. إجتماعات متتابعة. أوراق لا تنتهى. مكالمات. ضيوف. مناسبات. وجبات سريعة بين الإجتماعات. وربما وجبات عمل تمتد من مجرد لقاء إلى مائدة كاملة.
فهل المنصب نفسه يصنع الكرش؟.
بالطبع لا. الكرسى لا يملك جهازاً هضمياً. والمنصب لا يفرز الدهون داخل جسم الإنسان. لكن المنصب قد يغيّر نمط الحياة. وهذه هى النقطة التى تستحق التأمل.
الموظف فى بداية حياته الوظيفية قد يكون مضطراً إلى الحركة طوال اليوم. ينتقل بين المكاتب. يصعد السلالم. يذهب إلى مواقع العمل. يتحرك لإنجاز المعاملات. يقف أكثر مما يجلس. وقد ينتهى يومه الوظيفى وهو قد قطع مسافة لا بأس بها دون أن يخطط لذلك.
ثم يأتى المنصب القيادى. فجأة يصبح المطلوب من الآخرين أن يتحركوا بدلاً منه. يصبح الإتصال الهاتفى بديلاً عن الذهاب. والتقرير بديلاً عن المعاينة. والإجتماع بديلاً عن المرور. والسيارة بديلاً عن خطوات كان يقطعها سيراً. وهنا قد يتحول الإنسان من شخص يذهب ليرى بعينيه إلى شخص ينتظر أن تخبره الأوراق بما يحدث.
وهذه ليست قاعدة عامة. لكنها صورة تستحق النقاش.
فالجلوس الطويل وقلة النشاط البدنى يمكن أن يرتبطا بزيادة الوزن. كما أن طبيعة الطعام. ومواعيد الوجبات. وقلة النوم. والضغوط اليومية. والتقدم فى العمر. والعوامل الوراثية. كلها أمور يمكن أن تؤثر فى وزن الإنسان وشكل جسده. ولذلك ليس من الإنصاف أن نضع كل زيادة فى الوزن داخل خانة واحدة. ولا أن نحول مظهر الإنسان إلى دليل على أخلاقه أو كفاءته.
لكن المثير فى المسألة ليس الكرش ذاته. المثير هو ما قد يرمز إليه.
فالكرش هنا ليس مجرد زيادة فى محيط الخصر. إنه صورة رمزية لمسافة قد تنشأ أحياناً بين المسؤول والمكان الذى يديره. كلما إبتعد صاحب القرار عن أرض الواقع. زادت حاجته إلى التقارير. وكلما إعتمد على التقارير وحدها. أصبح أكثر عرضة لأن يرى المؤسسة من خلال الورق لا من خلال الحياة اليومية للعاملين والمواطنين.
المؤسسة لا تعيش داخل المكتب. المؤسسة تعيش فى الشارع. فى المصنع. فى الحديقة. فى الوحدة الخدمية. فى موقع العمل. بين العامل الذى يبدأ يومه قبل الجميع. والمواطن الذى ينتظر الخدمة. والموظف الذى يواجه المشكلات الحقيقية قبل أن تصل إلى مكتب المسؤول.
ومن هنا يمكن أن نسأل سؤالاً آخر أكثر أهمية. هل يحتاج المسؤول إلى أن يتحرك أكثر؟.
ربما نعم. ليس من أجل إنقاص وزنه فقط. بل من أجل أن يظل قريباً من الحقيقة.
المسؤول الذى ينزل إلى موقع العمل يرى ما لا تستطيع عشرات الصفحات أن تنقله إليه. يرى العامل وهو يعمل. يرى الأدوات الناقصة. يرى أماكن الخلل. يسمع شكوى المواطن بصوتها الحقيقى. يلاحظ التفاصيل الصغيرة التى قد تختفى تماماً داخل تقرير مكتوب بعناية.
أما المكتب. فهو ضرورة لا غنى عنها. لكنه يصبح مشكلة إذا تحول من محطة للعمل إلى إقامة دائمة. فالقيادة ليست الجلوس خلف مكتب كبير. والكرسى الإدارى ليس شهادة إعفاء من الحركة. والمنصب الأعلى لا يعنى أن صاحب المنصب أصبح أبعد عن التفاصيل. بل قد يعنى العكس تماماً.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. المنصب القيادى قد يفتح أبواباً إجتماعية لم تكن مفتوحة من قبل. دعوات. لقاءات. مناسبات. ولائم. مجاملات. إجتماعات تمتد أحياناً إلى موائد. ومع الوقت قد تتغير العادات الغذائية دون أن يشعر الإنسان بذلك. ويصبح الطعام جزءاً من المشهد الإجتماعى للمسؤولية.
ثم تأتى السيارة التى تنتظر أمام الباب. والمصعد الذى يختصر السلالم. والمكتب الذى تختصر فيه الحركة. والهاتف الذى يختصر المسافة. والمساعد الذى يحمل الملف. والموظف الذى يأتى بالورقة. ثم يكتشف الإنسان بعد سنوات أن حياته كلها أصبحت أكثر راحة. لكن جسده أصبح أقل حركة.
وهنا تكمن المفارقة.
قد يترقى الإنسان وظيفياً. لكنه يتراجع بدنياً. وقد يصبح منصبه أكبر. بينما تصبح حركته أقل. وقد تزداد سلطته على تفاصيل العمل. بينما تقل علاقته بالتفاصيل نفسها.
ومع ذلك. لا يجوز أن نقرأ أجساد الناس بإعتبارها ملفات إدارية. فهناك مسؤول قد يكون ممتلئ الجسم ويعمل بإخلاص ونشاط. وهناك آخر قد يكون نحيفاً لكنه بعيد عن العمل ومشكلاته. المظهر لا يصنع حكماً. والوزن لا يكتب شهادة صلاح أو فساد. والكرش ليس دليلاً على الكفاءة أو عدمها.
لكن السؤال الذى يهمنا أعمق من ذلك.
ماذا يفعل المنصب بالإنسان؟.
هل يجعله أكثر قرباً من الناس أم أكثر قرباً من المكتب؟. هل يدفعه إلى النزول للميدان أم إلى إنتظار التقارير؟. هل يجعله يعرف المؤسسة من الداخل أم يعرفها من خلال الشاشات والأوراق؟. هل يبقى ذلك الموظف الذى كان يتحرك بنفسه لإنجاز العمل؟. أم يصبح بعد سنوات شخصاً يكفى أن يرفع سماعة الهاتف ليطلب من الآخرين أن يتحركوا؟.
ربما لا يكون الكرسى هو الذى صنع الكرش. لكن الكرسى قد يكون قد صنع نمط حياة جديداً.
وهنا يصبح الأمر أكبر من شكل جسد المسؤول. يصبح متعلقاً بشكل الإدارة نفسها.
فالإدارة التى تتحرك. ترى. وتسمع. وتراجع. وتعود إلى مواقع العمل. تختلف عن إدارة تكتفى بالملفات. والمسؤول الذى يخرج من مكتبه ليرى ما يحدث بعينيه. يملك فرصة أكبر لفهم ما لا تستطيع الأوراق وحدها أن تشرحه.
لذلك ربما يكون السؤال الحقيقى الذى نحتاج إلى طرحه ليس. لماذا أصبح للمسؤول كرش؟.
بل. هل أصبح المنصب أكبر من صاحبه؟.
فإذا كان الكرسى قد منح الإنسان سلطة. فلا ينبغى أن يسلبه الحركة. وإذا كان المكتب قد منحه رؤية إدارية. فلا ينبغى أن يحجبه عن الواقع. وإذا كانت التقارير تصل إلى مكتبه كل صباح. فلا ينبغى أن تمنعه عن الوصول بنفسه إلى المكان الذى كُتبت التقارير من أجله.
أما الكرش. فله ألف تفسير. وقد يكون أبسطها قلة الحركة وتغير العادات مع مرور السنوات. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث للمسؤول ليس أن يزيد محيط خصره. بل أن تزيد المسافة بينه وبين الناس وموظفيه. وأن يصبح الكرسى الذى يجلس عليه أكثر قرباً إليه من المكان الذى يحمل إسمه ومسؤوليته.
فهل المنصب يربى الكرش؟.
أم أن الكرسى يربى نمطاً جديداً من الحياة؟.
أم أن المشكلة كلها تبدأ من اللحظة التى يتوقف فيها المسؤول عن الحركة. لا بجسده فقط. بل بفكره أيضاً؟.
