لماذا أصبحت فيينا ساحة جذابة للحرب الاستخباراتية الجديدة؟
هاله المغاورى فيينا
لم تعد صورة الجاسوس في أوروبا مرتبطة بالمشهد الكلاسيكي لرجل يحمل حقيبة سرية ويتحرك في الظل. الحرب الاستخباراتية الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، وتمتد من التجسس التقليدي إلى الهجمات الإلكترونية والتضليل والتجنيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولات التأثير في الرأي العام واستهداف البنية التحتية الحيوية.
وفي النمسا، عاد ملف التجسس إلى الواجهة بقوة بعد تحذير وزير الدولة المسؤول عن الأمن، يورغ لايشتفريد، من أن «الجواسيس ما زالوا يجدون ظروفًا مريحة للغاية في النمسا»، بالتزامن مع مشروع حكومي لتشديد قانون مكافحة التجسس.
أهمية القضية لا ترتبط فقط بالقانون النمساوي، وإنما بموقع البلاد نفسه. فالنمسا تقع في قلب أوروبا، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، وتمتلك بنية اقتصادية وتكنولوجية متقدمة، فيما تستضيف فيينا عددًا كبيرًا من المنظمات والمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة. هذه العوامل تجعل البلاد نقطة ذات قيمة استخباراتية وسياسية تتجاوز حجمها الجغرافي.
وتقول وزارة الخارجية النمساوية إن التجسس تحت الغطاء الدبلوماسي غير مقبول، مشيرة إلى أن أربعة دبلوماسيين ذوي خلفية استخباراتية جرى ترحيلهم خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، في مؤشر على أن النشاط الاستخباراتي أصبح جزءًا واضحًا من البيئة الأمنية التي تواجهها البلاد.
لكن التحول الأخطر لا يكمن فقط في عدد العملاء أو الدبلوماسيين، بل في طبيعة الأدوات المستخدمة. فوفق المعطيات التي أوردتها الصحافة النمساوية، يمكن أن تشمل العمليات الحديثة تجنيد أشخاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء حسابات وهمية للتأثير على النقاش العام، والهجمات الإلكترونية، واستهداف الأنظمة الرقمية، ونشر المعلومات المضللة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى محاولات تعطيل البنية التحتية الحيوية.
وهذا التحول يفسر لماذا لم يعد مفهوم التجسس التقليدي كافيًا لمواجهة التهديدات الجديدة. فالمشكلة لم تعد فقط في الحصول على وثيقة سرية، وإنما في قدرة جهة أجنبية على التأثير في المجتمع أو تعطيل مؤسسة أو اختراق نظام معلوماتي أو استخدام مواطن عادي لتنفيذ عملية محدودة دون أن يعرف بالضرورة الجهة التي تقف خلفها.
ولهذا يتضمن مشروع القانون النمساوي المقترح توسيع نطاق التجريم وتشديد العقوبات، بما في ذلك استهداف ما يعرف بـ«عملاء المستوى المنخفض» أو «العملاء القابلين للاستبدال»، وهم أشخاص يمكن تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ مهام محدودة مقابل المال، من دون امتلاكهم معرفة واسعة بالعملية التي يشاركون فيها. كما يستهدف المشروع أعمال التخريب والهجمات التي تؤثر في أنظمة الحاسوب والبنية التحتية.
واللافت أن المسألة لا تتعلق بحماية النمسا وحدها. فوجود الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية أخرى في فيينا يجعل الأمن النمساوي مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن المؤسسات الدولية الموجودة على أراضيها. ولهذا اتجه مشروع القانون إلى توسيع الحماية القانونية لتشمل، في حالات معينة، المصالح الدولية والمؤسسات الدولية الموجودة في البلاد، وليس المصالح النمساوية فقط.
المعضلة السياسية تكمن في أن الحكومة تبدو متفقة على مبدأ تشديد القانون، لكنها لم تحسم بعد الخلافات السياسية اللازمة لإقراره. وقد أوضحت الحكومة سابقًا أن مشروع قانون التجسس موجود في مرحلة التنسيق السياسي، بينما تطالب وزارة العدل بتوسيع نطاق التجريم ورفع العقوبات.
وهنا تظهر المفارقة النمساوية: الدولة التي تمنحها طبيعتها السياسية والجغرافية والدبلوماسية أهمية كبيرة كمركز دولي، تحتاج في الوقت نفسه إلى حماية هذا الانفتاح من أن يتحول إلى نقطة ضعف.
ففيينا لا تستطيع، ولا ينبغي لها، أن تغلق أبوابها أمام الدبلوماسية الدولية. لكن الانفتاح الدبلوماسي لا يعني التساهل مع النشاط الاستخباراتي غير المشروع، خصوصًا في مرحلة أصبحت فيها الحدود بين التجسس والهجمات الإلكترونية والتضليل والتدخل السياسي أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
المعركة المقبلة بالنسبة للنمسا ليست فقط في إصدار قانون أشد صرامة، وإنما في بناء منظومة أمنية قادرة على التعامل مع شكل جديد من التهديدات؛ تهديد لا يأتي دائمًا في صورة عميل أجنبي معروف، بل قد يظهر كحساب مجهول على منصة اجتماعية، أو هجوم إلكتروني، أو حملة تضليل، أو شخص جرى تجنيده لتنفيذ مهمة صغيرة.
ولهذا فإن النقاش الجاري في فيينا يتجاوز تعديل قانون جنائي. إنه يعكس سؤالًا أوروبيًا أكبر: كيف تحافظ الدول الديمقراطية المفتوحة على انفتاحها، من دون أن تسمح لهذا الانفتاح نفسه بأن يصبح مدخلًا لحرب استخباراتية حديثة؟
