📁عاااااااااجل

 ما أجمل الحديث مع من يشبه روحك

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

ما أجمل أن تجد إنساناً حين تتحدث معه تشعر أنك لا تتحدث بكلمات. بل بأنفاس خارجة من عمق روحك إليه. كأن بينكما سراً خفياً لا تراه العيون ولا يسمعه أحد غيركما. الحديث معه ليس مجرد تبادل عبارات. بل هو طقوس دفء عاطفى. كأن أرواحكما تتعانق بين كل جملة وأخرى. وكأن صوته نغمة من نغمات الطمأنينة تسكن أعماقك وتعيد إلى روحك سكينتها.

إنه الإنسان الذى حين تحادثه لا تشعر بثقل الزمن ولا ببُعد المسافات ولا بوحشة الأيام. كل شيء معه يصبح بسيطاً وعميقاً فى آن واحد. كأنك تتحدث إلى نفسك ولكن بصوت آخر يشبهك ويكملك. تسمعه فيسمعك. تبوح فيفهمك. تصمت فيقرأك. وكأن بين روحك وروحه عهداً خفياً تتفاهم فيه المشاعر قبل أن تنطق الشفاه.

الحديث مع من يشبه روحك يشبه نسمة تمر على قلب عطشان فترويه. ويشبه ضوءاً خافتاً فى ليل طويل يعيد إليك الإحساس بالأمان. معه تشعر أن للحروف رائحة. وأن للكلمات طعماً من الود والصدق لا يعرفه إلا من صدق فى حضوره ودفء مشاعره.

فالحوار الصادق لا يقتصر أثره على ما يتركه من راحة فى النفس. بل قد يفتح أمام الإنسان نوافذ لم يكن يعرف بوجودها. فكم من فكرة تبدلت فى عقولنا لأن أحدهم ناقشنا بإحترام. وكم من موقف بدت لنا حقيقته مختلفة بعدما وضع أمامنا زاوية لم ننتبه إليها. والإنسان الذى يشبه روحك ليس بالضرورة من يوافقك فى كل رأى. بل قد يكون من يختلف معك دون أن ينتقص منك. ويعارضك دون أن يحاول إلغاءك. فتخرج من حديثه أكثر نضجاً وإتساعاً فى الرؤية. لأن قيمة بعض اللقاءات لا تكمن فى إتفاق العقول بقدر ما تكمن فى قدرتها على إثراء بعضها بعضاً.

وما أروع أن تجد من تبوح له بما فى قلبك دون خوف. ومن تصف له أوجاعك فيحتويك دون أن يحكم عليك. ومن تصارحه بأسرارك فيحفظها فى عمق صدره كما يحفظ القلب دقات الحياة. هذا الإنسان لا يُعوَّض. لأنه لا يسمعك فقط. بل ينصت إلى نبضك. ويقرأ ما بين السطور وما بين الصمت أيضاً.

ولعل أجمل ما يمنحنا إياه هذا التشابه الروحى هو أننا نستعيد معه قدرتنا على أن نكون على طبيعتنا دون تكلُّف أو حذر. فلا نضطر إلى إخفاء إنكساراتنا خلف كلمات قوية. ولا إلى تزيين أحزاننا بإبتسامات لا تشبه ما بداخلنا. فهناك أرواح تمنحك الأمان بمجرد حضورها. تجعلك تدرك أن القرب الحقيقى ليس فى كثرة اللقاءات ولا فى طول الأحاديث. بل فى ذلك الشعور النادر بأنك مفهوم كما أنت. ومقبول بكل ما تحمله من تناقضات وتجارب وندوب. وحين تجد هذا الإنسان تدرك أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى وعود كبيرة. لأن صدقها يظهر فى التفاصيل الصغيرة. فى سؤال يأتى فى وقته. وفى إنصات لا يقاطع وجعك. وفى كلمة بسيطة تعيد إلى قلبك إتزانه بعد يوم أثقلته الحياة.

يا ليت كل إنسان يجد ذاك القريب الذى يفهمه دون شرح. ويحتويه دون طلب. ويمنحه الحديث الذى يحييه من جديد. فبعض الأحاديث ليست كلاماً. بل حياة. وبعض الأرواح حين تلتقى تصنع فيما بينها سيمفونية صمت أحن من كل ضوضاء العالم.

ما أجمل الحديث مع من يشبه روحك. مع من يختصر العالم فى حضوره. ومع من تجعل كلماته نهاراً لقلبك حتى فى أكثر الليالى ظلاماً.

تعليقات