مصداقية الكلمة تصنع إحترام القارئ
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليس أصعب على الكاتب من أن يكسب ثقة قارئه. وليس أسهل عليه من أن يخسرها. فالثقة لا تُشترى بكثرة الكلمات. ولا تُفرض بقوة العناوين. ولا تصنعها شهرة عابرة. وإنما تُبنى كلمة بعد كلمة. وموقفاً بعد موقف. حتى يصبح القارئ قادراً على قراءة إسم الكاتب قبل قراءة الموضوع. فيعرف أن وراء هذه الكلمات عقلاً يحترم الحقيقة. وضميراً يعرف قيمة ما يكتب.
الكاتب الحقيقى لا يكتب ليملأ مساحة بيضاء. وإنما يكتب لأنه يؤمن أن للكلمة أثراً. وأن ما يخرج من قلمه قد يستقر فى عقل إنسان. وقد يغير فكرة. أو يصحح مفهوماً. أو يفتح باباً كان مغلقاً. ولهذا فإن الكاتب الذى يحترم قارئه لا يستخف بعقله. ولا يقدم له الوهم فى ثوب الحقيقة. ولا يجعل من المبالغة وسيلة لجذب الإنتباه.
مصداقية الكلمة لا تعنى أن يكون الكاتب معصوماً من الخطأ. فلا إنسان يملك الحقيقة كاملة. ولا كاتب يستطيع أن يعرف كل شىء. وإنما المصداقية أن يعرف الكاتب حدود معرفته. وأن يفرق بين ما يعرفه وما يظنه. وبين ما شاهده وما نُقل إليه. وبين الحقيقة والرأى. وأن يكون مستعداً لمراجعة ما كتب إذا ظهرت له معلومات أكثر دقة. فمراجعة الخطأ لا تنتقص من الكاتب. وإنما قد تكون دليلاً على إحترامه للحقيقة وللقارئ.
والقارئ لا يبحث دائماً عن الكاتب الذى يوافقه. وإنما يبحث عن الكاتب الذى يستطيع أن يختلف معه دون أن يفقد إحترامه له. يريد قلماً يناقشه. لا قلماً يستخف بعقله. يريد رأياً له منطقه. لا صراخاً بلا دليل. يريد كلمات تشبه الواقع. لا واقعاً مصنوعاً من الكلمات.
ولهذا فإن الكاتب الذى يريد أن يحافظ على مصداقيته عليه أن يدرك أن كل كلمة لها أثر. قد يكون الأثر إعجاباً فى لحظته. وقد يكون إختلافاً مع بعض القراء. وقد يضطر الكاتب أحياناً إلى طرح رؤية لا تتفق مع الرأى الشائع. لكن الكاتب الذى يجعل هدفه الوحيد هو التصفيق يخاطر بخسارة ما هو أكبر من التصفيق. يخاطر بخسارة ثقة القارئ.
وفى الصحافة والكتابة العامة تصبح المسألة أكثر حساسية. فالكلمة المنشورة تصل إلى عدد كبير من الناس. وقد تُفهم خارج سياقها. وقد يعاد تداولها بعد سنوات. ولذلك فإن الكاتب المهنى يحرص على التمييز بين المعلومة المؤكدة. والرأى الشخصى. والتحليل. والإنطباع. كما يحرص على ألا يقدم الظن فى صورة حقيقة. وألا ينسب قولاً أو فعلاً إلى شخص أو جهة دون أساس واضح.
فالكتابة المسؤولة لا تحتاج إلى إطلاق الأحكام. وإنما تحتاج إلى الدقة. ولا تحتاج إلى التشهير. وإنما تحتاج إلى عرض الفكرة. ولا تحتاج إلى تحويل الإختلاف إلى خصومة. وإنما تحتاج إلى مساحة تسمح بالنقاش الهادئ. وبذلك يستطيع الكاتب أن يكون قوياً فى فكرته دون أن يكون جارحاً فى عبارته.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الكلمة أن تمنح القارئ إنطباعاً لا تؤيده المعلومات المتاحة. فقد تؤدى المبالغة إلى تضخيم حدث. وقد يؤدى الوصف العاطفى إلى تغيير صورة شخص أو موقف فى ذهن القارئ. وقد تجعل العبارة القاطعة قضية تحتاج إلى نقاش وكأنها حقيقة نهائية. وهنا تظهر مسؤولية الكاتب فى إختيار ألفاظه. لأن الكلمة الدقيقة تحمى الحقيقة. كما تحمى الكاتب نفسه من سوء الفهم.
واللغة سلاح شديد القوة. لأنها لا تدخل العقل دائماً من بابه الأمامى. أحياناً تدخل من باب الإحساس. ولهذا يستطيع الوصف المبالغ فيه أن يفعل ما لا تفعله المعلومة وحدها. كلمة واحدة قد ترفع صورة فى ذهن القارئ. وكلمة أخرى قد تنتقص منها. وبين الكلمتين قد تكون الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير.
لذلك فإن الكاتب الشريف لا يخاف من الحقيقة. لأنه لا يحتاج إلى حمايتها بالمبالغة. ولا يحتاج إلى إخفاء نقصها بالزخرفة. ولا يحتاج إلى صناعة صورة أكبر من الواقع. فالحقيقة القوية لا تحتاج إلى مكياج. والفكرة الجيدة لا تحتاج إلى ضجيج. والإنجاز الحقيقى يستطيع أن يتحدث عن نفسه من خلال الوقائع.
ومصداقية الكاتب لا تظهر فقط فى القضايا الكبيرة. وإنما تظهر أيضاً فى التفاصيل الصغيرة. فى عنوان لا يبالغ. فى معلومة لا يضيف إليها من عنده. فى رأى يقدمه بإعتباره رأياً. فى قصة لا يختلق لها تفاصيل غير معلومة. فى صورة لا تُستخدم لإيهام القارئ بشىء غير حقيقتها. وفى كلمة يعرف أنها قد تُفهم على أكثر من معنى فيختار التعبير الأدق.
الكاتب الذى يراجع كلماته قبل نشرها لا يراجع اللغة فقط. وإنما يراجع نفسه أيضاً. يسأل هل عرضت الفكرة بعدل. هل خلطت بين الرأى والحقيقة. هل بالغت فى وصف موقف. هل إستخدمت عبارة قد تُفهم على غير المقصود منها. هل أعطيت القارئ مساحة كافية للتفكير. وهل كانت عبارتى قوية لأنها دقيقة. أم قوية لأنها مثيرة فقط.
وهنا يظهر الفرق بين الكاتب الذى يبحث عن القارئ. والكاتب الذى يبنى علاقة طويلة مع قارئه. الأول يريد أن يجذب الإنتباه بأى وسيلة. أما الثانى فيريد أن يبنى تاريخاً من الثقة. الأول قد يربح لحظة. أما الثانى فيبنى قيمة تستمر.
والثقة هى رأس مال الكاتب الحقيقى. فإذا عرف القارئ أن الكاتب لا يبالغ. وأنه لا يختلق. وأنه يفرق بين ما يعرفه وما يستنتجه. وأنه يستطيع أن يقول نعم عندما يرى ما يستحق الإشادة. وأن يقول لا عندما يرى ما يستحق النقد. فإن إسم الكاتب نفسه يصبح مرتبطاً بالدقة والإحترام.
وهذا لا يعنى أن الكاتب يجب أن يكون بلا موقف. على العكس. الكاتب بلا موقف قد يتحول إلى مجرد ناقل. لكن الموقف المحترم هو الذى يستند إلى منطق. والموقف الناضج هو الذى يقبل النقاش. والموقف المسؤول هو الذى لا يحتاج إلى الإساءة إلى المختلف حتى يثبت نفسه.
فليس من قوة الكاتب أن يجعل المختلف معه يبدو مخطئاً فى كل شىء. وليست شجاعته فى رفع صوته فوق أصوات الآخرين. وإنما قوته فى أن يجعل فكرته قادرة على الوقوف وحدها. فإذا كانت الفكرة قوية فلن تحتاج إلى التجريح حتى تقنع. وإذا كانت ضعيفة فلن تنقذها كثرة العبارات الحادة.
والقارئ يملك ذاكرة أطول مما يتصور البعض. قد ينسى عنواناً. وقد ينسى تاريخ المقال. لكنه يتذكر الكاتب الذى شعر معه أن عقله موضع إحترام. ويتذكر أيضاً الكاتب الذى شعر أن الكلمات حاولت أن تقوده إلى نتيجة جاهزة دون أن تمنحه ما يكفى من الوقائع. ولهذا فإن كل مقال يكتبه الإنسان هو جزء من بناء صورته أمام القارئ. إما أن يضيف حجراً إلى بناء الثقة. وإما أن يترك فيه شقاً يصعب إصلاحه.
إن الكاتب لا يستطيع أن يطلب من القارئ أن يصدقه. يستطيع فقط أن يجعل كلماته جديرة بالتصديق. وهذه واحدة من أصعب الحقائق فى عالم الكتابة. فالمصداقية لا تُعلن. وإنما تُثبت. ولا تُطلب. وإنما تُكتسب. ولا تأتى من جملة يقول فيها الكاتب أنا صادق. وإنما تأتى من تاريخ طويل يشعر خلاله القارئ أن هذا القلم يحترم الحقيقة ويحترم عقل من يقرأه.
وقد يتغير أسلوب الكاتب مع الزمن. وقد تتغير موضوعاته. وقد تتسع رؤيته للحياة. وقد يراجع بعض أفكاره القديمة. وهذا ليس ضعفاً. بل قد يكون دليلاً على أن العقل ما زال حياً. فالكاتب الذى لا يراجع نفسه قد يتحول إلى أسير لأفكاره القديمة. أما الكاتب الناضج فيعرف أن الحقيقة أكبر من غروره. وأن التعلم لا يتوقف عند عمر أو تجربة.
وتبقى الكلمة هى الإختبار الأصعب. فالورق لا يجامل. والذاكرة لا تجامل. والقارئ قد يتفهم خطأ غير مقصود. لكنه يحتاج دائماً إلى أن يشعر أن الكاتب لا يستهين بعقله. ولذلك فإن أعظم ما يستطيع الكاتب أن يتركه خلفه ليس كثرة المقالات. وإنما الثقة.
الثقة التى تجعل القارئ يرى إسم الكاتب فيطمئن إلى أن وراءه قلماً لا يتعمد تضليل الحقيقة. وعقلاً لا يستخف بالقارئ. وضميراً يعرف أن الحبر ليس مجرد لون على الورق. وإنما أمانة.
فإذا أردت أن يحترمك القارئ. فلا تطلب منه أن يصدقك. إجعل كلماتك هى التى تقنعه بأنك جدير بالثقة. ولا تجعل هدفك أن تكون الأعلى صوتاً. إجعل هدفك أن تكون الأصدق أثراً. ولا تكتب لتنتصر على القارئ. ٱكتب لتمنحه شيئاً يستحق أن يبقى فى عقله.
قد ينتهى المقال. وقد تُطوى الصفحة. وقد ينسى القارئ كثيراً مما قرأ. لكن الكاتب الذى يحافظ على مصداقية كلمته يستطيع أن يبقى فى ذاكرة قارئه طويلاً. لأن الحقيقة قد لا تصرخ. لكنها تملك دائماً القدرة على البقاء.
