📁عاااااااااجل

سعد الدين الشاذلى عقل العبور والنصر

 سعد الدين الشاذلى عقل العبور والنص

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد معركة عسكرية عبرت فيها القوات المصرية قناة السويس. ولم يكن السادس من أكتوبر عام 1973 يوماً عابراً فى تاريخ مصر. كان ذلك اليوم لحظة فارقة إستعاد فيها المقاتل المصرى ثقته بنفسه. وأعاد فيه الجيش المصرى رسم صورة القوة المصرية أمام العالم. وبينما كانت المدافع تتحدث على ضفتى القناة. كان خلف هذا المشهد رجال خططوا. ورجال نفذوا. ورجال حملوا أرواحهم على أكفهم وهم يعبرون إلى الضفة الأخرى من القناة.

كان بين هؤلاء الرجال قائد عسكرى ترك إسمه محفوراً فى تاريخ العسكرية المصرية. هو الفريق سعد الدين محمد الحسينى الشاذلى. رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال مرحلة الإعداد لحرب أكتوبر وخلال بدايات المعركة. وهو أحد أبرز العقول التى شاركت فى إعداد التصور العملياتى للعبور وإقتحام خط بارليف.

ولد سعد الدين الشاذلى فى الأول من أبريل عام 1922 بقرية شبراتنا التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية. وهناك بدأت حكاية رجل خرج من إحدى قرى دلتا مصر ليصبح واحداً من أشهر القادة فى تاريخ القوات المسلحة المصرية. وفى فبراير عام 1939 التحق بالكلية الحربية وهو فى السابعة عشرة من عمره. وكان من أصغر طلاب دفعته. وتخرج فى يوليو عام 1940 برتبة ملازم فى سلاح المشاة.

ولم تكن بدايته العسكرية هادئة أو محدودة. فقد انتدب للخدمة فى الحرس الملكى عام 1943. وشارك فى حرب فلسطين عام 1948. ثم شارك فى بناء وتطوير سلاح المظلات. وأصبح عام 1954 مؤسساً وقائداً لأول تشكيل مظلات فى مصر. وفى العدوان الثلاثى عام 1956 قاد الكتيبة 75 مظلات. ثم تولى قيادة أول قوات عربية شاركت فى مهمة تابعة للأمم المتحدة فى الكونغو خلال الفترة من 1960 إلى 1961. وعمل ملحقاً عسكرياً فى لندن. ثم تولى قيادة لواء مشاة وشارك فى حرب اليمن. وبعد حرب يونيو 1967 تولى قيادة القوات الخاصة التى ضمت المظلات والصاعقة. ثم تولى قيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية.

كانت تلك السنوات مدرسة طويلة من التجارب. لم يكن الشاذلى ينظر إلى الحرب بإعتبارها شجاعة فردية فقط. كان ينظر إليها بإعتبارها علماً وحساباً وقدرة على قراءة إمكانيات العدو وإمكانيات القوات المصرية فى الوقت نفسه. ولهذا جاءت تجربته العسكرية المتراكمة لتؤهله للمهمة الأصعب. مهمة إعادة بناء القدرة المصرية على خوض معركة محسوبة بعد سنوات من مرارة يونيو.

وفى السادس عشر من مايو عام 1971 تولى سعد الدين الشاذلى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية. ومن موقعه الجديد بدأ دراسة الإمكانيات الحقيقية للقوات المسلحة المصرية. وقارن بين تلك الإمكانيات وبين قدرات القوات الإسرائيلية الموجودة فى سيناء. ومن هذه الدراسة تبلورت فكرة تقوم على الواقعية العسكرية. فبدلاً من الدخول فى معركة مفتوحة تتجاوز قدرة القوات المصرية على توفير الحماية الجوية اللازمة. كان الهدف هو عبور قناة السويس. وتحطيم خط بارليف. وإنشاء رؤوس كبارى شرق القناة. ثم التمركز فى عمق محدود يقع تقريباً فى نطاق 10 إلى 12 كيلومتراً شرق القناة. وهو نطاق يمكن أن توفر فيه مظلة الدفاع الجوى المصرية حماية للقوات المتقدمة.

ومن هنا ظهرت خطة (المآذن العالية). وهى الخطة التى إرتبط إسمها بالفريق سعد الدين الشاذلى وأصبحت لاحقاً أساساً للعملية التى نفذت فى حرب أكتوبر بعد تطويرها وإطلاق اسم (بدر) عليها. لم تكن الفكرة مجرد عبور قناة مائية. كانت فلسفة عسكرية كاملة تقوم على تحويل نقاط القوة المصرية إلى عناصر حاسمة. وإستغلال ما يتوافر من قوات ومعدات فى حدود الإمكانات الفعلية. بدلاً من بناء خطة على أمنيات لا تملك القوات أدوات تنفيذها.

كانت عبقرية الفكرة فى بساطتها وواقعيتها. فالقناة مانع مائى هائل. وخط بارليف منظومة دفاعية صممت لإيقاف أى محاولة عبور. والقوات المصرية لم تكن تملك فى ذلك الوقت تفوقاً جوياً يسمح بحرب مفتوحة فى عمق سيناء. لذلك كان المطلوب تحقيق هدف عسكرى واضح. العبور. إقتحام التحصينات. تثبيت القوات شرق القناة. ثم الصمود تحت حماية شبكة الدفاع الجوى.

ولم تكن الخطة وحدها هى سر النجاح. كان هناك إعداد طويل للضباط والجنود. وكان الشاذلى يؤكد أهمية الإعداد المعنوى إلى جانب الإعداد العسكرى. وكان حريصاً على التواصل المباشر مع الضباط والجنود. وعلى أن يعرف المقاتل مهمته بدقة. حتى إن الشهادة المنسوبة إليه عن إستعداد القوات للمعركة تؤكد أن الجنود لم يكونوا جميعاً يعرفون تفاصيل الخطة الكبرى. وإنما كان كل مقاتل يعرف المهمة الموكلة إليه. بينما ظل الإطار العام للعملية محاطاً بدرجة عالية من السرية.

وجاء السادس من أكتوبر. فانطلقت القوات المصرية فى واحدة من أعظم عمليات العبور العسكرية فى التاريخ الحديث. عبر الجنود قناة السويس. وإقتحموا التحصينات. وفتحوا الثغرات فى الساتر الترابى. وأقاموا الجسور. ودفعوا بالمعدات والآليات إلى الضفة الشرقية. ولم يكن ذلك إنتصاراً للخطة وحدها. بل كان إنتصاراً للجندى الذى حمل سلاحه وعبر تحت النيران. وللضابط الذى قاد رجاله فى أصعب اللحظات. وللمهندس العسكرى الذى فتح الطريق. ولرجال المدفعية والدفاع الجوى والقوات الجوية والبحرية وكل أسلحة القوات المسلحة التى شاركت فى ملحمة العبور.

وقد تحدث الشاذلى عن لحظة نجاح المرحلة الأولى من الخطة بثقة القائد الذى رأى حساباته تتحول إلى واقع. كان يرى أن الإستعداد العلمى والحسابات العسكرية الدقيقة تمنح المقاتل الثقة فى قدرته على تنفيذ المهمة. وفى الأيام الأولى من الحرب تحقق للقوات المصرية الهدف الأساسى الذى وضعت من أجله خطة المآذن العالية. فقد عبرت القوات القناة. وإستولت على معظم الشاطئ الشرقى. وأقامت مواقعها الجديدة. وتمكنت من صد الهجمات المضادة الإسرائيلية فى الأيام الأولى.

وهنا يجب أن نقف أمام حقيقة مهمة. إنصاف الفريق سعد الدين الشاذلى لا يعنى إختزال نصر أكتوبر فى رجل واحد. فالحروب لا يصنعها فرد مهما بلغت مكانته. وإنما تصنعها منظومة كاملة من القادة والضباط والجنود. لكن هذا لا يمنع أن يكون لبعض الرجال أثر إستثنائى فى صياغة الفكرة التى تقود إلى النصر. وكان الشاذلى واحداً من هؤلاء الرجال. فقد منحته خبرته العسكرية القدرة على تحويل السؤال الصعب إلى خطة قابلة للتنفيذ. كيف نعبر قناة السويس فى ظل التفوق الجوى الإسرائيلى. وكيف نحطم خط بارليف. وكيف نحافظ على قواتنا بعد العبور.

إن قيمة سعد الدين الشاذلى لا تكمن فقط فى أنه كان رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة المصرية. وإنما فى أنه كان صاحب عقل عسكرى يعرف أن البطولة لا تعنى الإندفاع بلا حساب. وأن الشجاعة الحقيقية قد تكون فى أن تعرف حدود إمكانياتك. ثم تبنى من داخل هذه الحدود طريقاً إلى النصر.

لقد خرجت مصر من حرب أكتوبر بصورة مختلفة. سقطت صورة الجيش الذى لا يقهر. وعبرت القوات المصرية إلى شرق القناة. وتحول الجندى المصرى من صورة مرتبطة بمرارة هزيمة يونيو إلى رمز لجندى إستطاع أن يقتحم أصعب مانع مائى. وأن يواجه تحصينات أعدها خصم سنوات طويلة. وأن يثبت للعالم أن الإرادة المصرية عندما تتسلح بالعلم والتخطيط والتدريب قادرة على صناعة المستحيل.

ويبقى سعد الدين الشاذلى واحداً من أسماء كثيرة صنعت تلك الملحمة. لكنه إسم له خصوصية واضحة. لأن التاريخ العسكرى لحرب أكتوبر لا يستطيع أن يتجاوز دوره فى إعداد التصور الذى حمل إسم (المآذن العالية). ولا يستطيع أن يتحدث عن العبور دون أن يتذكر ذلك الرجل الذى جلس طويلاً أمام الخرائط والحسابات والإمكانات. يبحث عن طريق لا يقوم على الأمنيات. وإنما على العلم والتخطيط والدقة.

رحل الفريق سعد الدين الشاذلى فى العاشر من فبراير عام 2011. لكن رحيل الرجال لا يعنى غياب أثرهم. فقد بقيت سيرته جزءاً من الذاكرة العسكرية المصرية. وبقيت حرب أكتوبر شاهدة على جيل كامل من القادة والضباط والجنود الذين إختاروا أن يحملوا مسئولية الوطن فى أصعب لحظاته. وفى عام 2012 جرى تكريم إسمه بمنحه قلادة النيل العظمى ونجمة الشرف تقديراً لدوره فى حرب أكتوبر.

إن أعظم ما يمكن أن نقوله عن أبطال أكتوبر أنهم لم يعبروا قناة السويس بحثاً عن مجد شخصى. كانوا يعبرون من أجل مصر. وكل جسر أقيم فوق القناة كان جسراً بين جرح قديم وأمل جديد. وكل شهيد سقط على أرض سيناء كتب بدمه صفحة فى تاريخ الوطن. وكل ضابط أصدر أمراً. وكل جندى حمل سلاحه. وكل مهندس أقام جسراً. وكل طيار حمى سماء مصر. وكل رجل مدفعية أمطر مواقع العدو بنيرانه. كانوا جميعاً جزءاً من لوحة واحدة إسمها النصر.

ولهذا سيبقى السادس من أكتوبر فى الذاكرة المصرية أكثر من تاريخ. سيبقى معنى. وسيبقى الفريق سعد الدين الشاذلى واحداً من أبرز العقول العسكرية التى أسهمت فى صياغة هذا المعنى. رجل آمن بأن النصر لا يبدأ من فوهة المدفع. وإنما يبدأ أولاً من عقل يعرف ماذا يريد. وكيف يحققه. ومتى يتقدم. ومتى يتوقف. ثم يترك للجنود الشجعان مهمة تحويل الخطة إلى واقع.

وهكذا عبرت مصر. عبرت بقوة جيشها. وببسالة أبنائها. وبدماء شهدائها. وبعقول قادتها. وكان سعد الدين الشاذلى أحد العقول التى مهدت لهذا العبور. فبقى إسمه فى صفحات أكتوبر شاهداً على أن التاريخ لا تصنعه الصرخات العالية. وإنما تصنعه العقول التى تعرف كيف تحول الهزيمة إلى درس. والخوف إلى ثقة. والخطة إلى فعل. والفعل إلى نصر.

تعليقات