📁عاااااااااجل

 المصري.. حكاية وطن لا ينكسر

قلم محمد صالح العوضي


حين تتحدث عن مصر، فأنت لا تتحدث عن وطن عابر في صفحات التاريخ، بل تتحدث عن أرضٍ شهدت حضاراتٍ وصراعاتٍ وانتصارات، وعن شعبٍ كلما ظن البعض أنه انكسر، عاد ليقول للعالم: ما زلنا هنا... ولن ننكسر!


وفي السادس من أكتوبر عام 1973، كان الموعد مع واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري.


كانت الساعة تقترب من لحظة العبور، وكانت القلوب تخفق، والعيون تتجه نحو قناة السويس، بينما كان المقاتل المصري يستعد للحظة التي انتظرها طويلًا.


ثم انطلقت الطائرات، وبدأت المدفعية، وتحركت القوارب، وعبر الرجال.


عبر المصري قناة السويس.


لم يعبرها بقوة السلاح وحدها، بل عبرها بقوة الإيمان، وبسنوات من التدريب، وبإرادة لا تعرف المستحيل.


كان الجندي المصري يعلم أن خلفه وطنًا ينتظر، وأرضًا تنادي، وأمهاتٍ وآباءً وأبناءً يتطلعون إلى يوم يعود فيه الحق إلى أصحابه.


ولهذا لم يكن أمامه إلا طريق واحد: إلى الأمام.


وفي لحظات العبور، ارتفع صوت «الله أكبر»، فاهتزت الأرض تحت أقدام الرجال، وسقطت أوهام القوة التي حاول العدو أن يصنعها حول تحصيناته.


كانت ملحمة بكل معنى الكلمة.


رجال يعبرون تحت النيران، وجنود يقاتلون بشجاعة، وضباط يقودون الصفوف، وشعب كامل يراقب ويتابع ويدعو، وكل قلب مصري كان يعيش المعركة لحظة بلحظة.


لقد أثبت المصري في أكتوبر أن المستحيل كلمة لا وجود لها عندما تتحد الإرادة والعلم والتخطيط والشجاعة والتضحية.


لم تكن مصر تقاتل من أجل قطعة أرض فقط، بل كانت تقاتل من أجل الكرامة.


ولهذا كانت المعركة أكبر من حدود سيناء، وأكبر من قناة السويس؛ كانت معركة الإنسان المصري من أجل أن يستعيد ثقته بنفسه، وأن يثبت أن مصر تستطيع أن تنهض مهما كانت الصعاب.


وهنا تكمن عظمة أكتوبر.


فالنصر لم يصنعه المقاتل وحده، وإنما صنعته مصر كلها.


صنعته أم سهرت وهي تنتظر ابنها.


وصنعه أب أخفى خوفه خلف ابتسامة حتى لا يضعف ابنه.


وصنعه عامل ظل في مصنعه، وفلاح ظل في أرضه، وطبيب وممرض ومعلم وكل مصري أدى دوره وهو يعرف أن الوطن في وقت الشدة يحتاج إلى كل أبنائه.


هكذا يكون الوطن.


أن يتحول الخوف إلى شجاعة.


وأن يتحول الألم إلى أمل.


وأن يتحول الحلم إلى حقيقة.


وأن يقول المصري، مهما كانت الظروف:


مصر أولًا... ومصر دائمًا.


واليوم، عندما نستعيد ذكرى أكتوبر، لا نستعيدها لنعيش في الماضي، وإنما لنستمد منها القوة للمستقبل.


فالأمم لا تعيش على أمجادها، وإنما تجعل من أمجادها وقودًا لبناء أيامها القادمة.


إن رسالة أكتوبر إلى أبناء مصر اليوم واضحة:


لا تستسلموا لليأس.


لا تقولوا إن المستحيل أقوى منكم.


ولا تنسوا أن هذا الوطن عبر في يوم من الأيام أصعب الموانع، وفتح لنفسه طريقًا إلى النصر.


فإذا كان أبطال أكتوبر قد عبروا قناة السويس وسط النيران، فالأجيال الجديدة قادرة على عبور تحدياتها بالعلم والعمل والإصرار.


رحم الله شهداء مصر الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن.


وتحية إجلال لكل مقاتل وقف على أرض سيناء، ولكل أم صبرت، ولكل أسرة قدمت ابنًا لمصر.


وتحية لكل مصري حمل وطنه في قلبه، وظل مؤمنًا بأن مصر مهما اشتدت عليها المحن، لا تنكسر.


فالمصري ليس مجرد إنسان يعيش على أرض مصر...


المصري حكاية وطن.


وطن إذا جُرح، نهض.


وإذا تعثر، استعاد توازنه.


وإذا واجه المستحيل، قال له:


أنا المصري... وهذه مصر.


فهل يمكن لوطن بهذه الإرادة أن ينكسر؟


أبدًا...


مصر حكاية وطن لا ينكسر.



تعليقات