أسد سيناء حكاية بطل مصرى
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليست كل البطولات تولد وسط الأضواء. بعضها يبدأ فى لحظة صامتة لا يشهدها أحد. رجل يقف أمام الخطر. يقدّر الموقف. ثم يتخذ قراره. وبعد أن تنتهى المعركة. تبدأ السنوات فى الكشف عما جرى.
هكذا تبدو حكاية الشهيد الجندى سيد زكريا خليل. أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة. والرجل الذى إرتبط إسمه فى الروايات المصرية بلقب أسد سيناء.
كان سيد من أبناء صعيد مصر. التحق بالقوات المسلحة. وخدم فى سلاح المظلات. وشارك فى فترة الإستنزاف. ثم جاءت حرب أكتوبر عام 1973. فانتقل التدريب والإستعداد من ميادين التدريب إلى أرض المعركة.
كانت سيناء يومها مسرحاً لمواجهة معقدة. وكانت حركة القوات والسيطرة على المحاور والممرات وتعزيز المواقع من عناصر مهمة فى حسابات القتال. وفى مثل هذه المواجهات قد يكون تعطيل قوة معادية لفترة من الزمن ذا قيمة عسكرية كبيرة. لأن الوقت نفسه يصبح جزءاً من السلاح.
كان سيد ضمن مجموعة صغيرة من المقاتلين. ثم تعرضت المجموعة لإشتباك عنيف. وإستشهد عدد من رفاقه. وأصبح هو فى مواجهة قوة إسرائيلية أكبر منه.
كان يستطيع أن ينسحب إذا سمحت له الظروف. لكنه أدرك أن مرور القوة التى أمامه قد يفتح لها الطريق نحو مواقع أخرى لتعزيز إنتشارها. فإختار أن يبقى.
لم يكن القرار سهلاً.
كان يعلم أن عدد الرجال حوله يتناقص. وكان يرى رفاقه يسقطون. وكان يعرف أن القوة التى يواجهها تتفوق عليه فى العدد والتسليح. لكنه إمتلك ما يحتاجه المقاتل فى اللحظة الحاسمة. سرعة التقدير. ومعرفة قيمة الموقع. وإدراك أهمية الوقت.
بدأ يتحرك بين المواقع. يطلق النار ثم يغير موضعه. ويظهر فى إتجاه ثم ينتقل إلى آخر. فبدا للقوة التى أمامه أنها تواجه مقاومة أكبر من رجل واحد.
لم يكن يحاول تحقيق نصر مستحيل. كان يحاول تحقيق هدف أكثر واقعية وأهمية. أن يؤخر تقدم القوة المعادية. وأن يمنعها من التحرك كما تريد. وأن يمنح قوات بلاده وقتاً ثميناً.
وهنا تظهر قيمة المقاتل الذى يفهم مهمته. فالجندى لا يقاس دائماً بعدد من يواجههم. وإنما بقدرته على تحويل موقعه وإمكاناته المحدودة إلى مشكلة حقيقية أمام خصم أقوى.
تذكر الروايات المصرية أن سيد واصل القتال حتى نفدت ذخيرته. ثم حاصرته القوات الإسرائيلية وإستشهد بعد مواجهة عنيفة. وتختلف بعض الروايات فى أعداد الخسائر الإسرائيلية وبعض تفاصيل الإشتباك. ولذلك تبقى تلك الجزئيات فى إطار الروايات المنشورة. أما جوهر القصة فهو صمود مقاتل مصرى بعد إستشهاد رفاقه. وإستمراره فى تعطيل القوة التى واجهها حتى اللحظة الأخيرة.
ثم جاءت اللحظة التى منحت القصة بعدها الإنسانى. بعد إستشهاد سيد. وقف أحد الجنود الإسرائيليين الذين واجهوه أمام جثمانه. وكان قد رأى شراسة مقاومته. فلم يتعامل معه بإعتباره مجرد جندى مهزوم. بل رأى فيه مقاتلاً شجاعاً يستحق الإحترام.
وتذكر المصادر المصرية أن الجندى الإسرائيلى قام بدفن الشهيد. ثم أدى له التحية بإطلاق طلقات فى الهواء. وإحتفظ ببعض متعلقاته الشخصية.
لم تكن تلك التحية تغير حقيقة الحرب. لكنها كشفت شيئاً عن الإنسان الذى يقف خلف المقاتل. فقد يستطيع الرجل أن يواجه خصمه بالسلاح. لكنه عندما تنتهى المعركة قد يرى فيه شجاعة إنسان آخر. وهذه اللحظة بالذات هى التى تجعل قصة سيد تتجاوز حدود الإشتباك العسكرى.
مضت السنوات. وإنتهت الحرب. وظلت بعض متعلقات الشهيد بعيدة عن مصر. ثم عادت القصة إلى الظهور بعد أكثر من عشرين عاماً. ووفقاً للروايات المنشورة جرى تسليم متعلقاته إلى الجانب المصرى فى ألمانيا عام 1996. وكانت من بينها أشياء شخصية ورسالة كتبها قبل إستشهاده.
كان وصول تلك الأشياء إلى أسرته أشبه بعودة متأخرة لصوت غاب طويلاً. فالحرب لا تترك خلفها أرقاماً فقط. تترك بيوتاً تنتظر. وأمهات يحتفظن بصور أبنائهن. ورسائل لم تصل فى موعدها. وأشياء صغيرة يصبح لها بعد رحيل صاحبها معنى لا يقدّر بثمن.
ومن هنا يظهر سيد زكريا الإنسان قبل أن يظهر البطل. شاب مصرى خرج من بيت فى الصعيد. له أهل ينتظرونه. وحياة كان يمكن أن يعيشها. ثم وجد نفسه فى لحظة فاصلة بين سلامته الشخصية وواجبه العسكرى. فإختار واجبه.
هذه هى البطولة فى جوهرها. ليست غياب الخوف. وإنما القدرة على أن تعرف ثمن قرارك ثم تتحمل هذا الثمن.
ولذلك لا تحتاج قصة سيد إلى كثير من المبالغة. فالمشهد وحده كافٍ. مجموعة من الرجال. رفاق يسقطون. قوة معادية تتقدم. وجندى مصرى يدرك أن موقعه لا يزال مهماً. فيبقى. يقاتل. ويؤخر خصمه. حتى تنفد ذخيرته. ثم يسقط شهيداً.
ذلك المشهد يختصر شجاعة رجل لم يكن يعرف أن أحداً سيكتب عنه. ولم يكن ينتظر تكريماً. ولم يكن يرى أمامه سوى واجب يجب أن يؤديه. وربما لهذا بقيت قصته حاضرة.
فالذين يصنعون التاريخ لا يعرفون دائماً أنهم يصنعونه. سيد زكريا لم يخرج إلى المعركة بحثاً عن لقب. ولم يكن يعرف أن إسمه سيقترن يوماً بأسد سيناء. كان جندياً يؤدى مهمته فى أصعب لحظة. ثم جاءت السنوات لتكشف قيمة ما فعله.
عاد إسمه إلى الذاكرة مع متعلقاته. وعادت رسالته إلى أسرته. وعاد إلى صفحات التاريخ مقاتلاً شهد له خصمه قبل أن تشهد له الكلمات.
وهذه واحدة من المفارقات النادرة فى قصته. فقد خرج من المعركة منتصراً فى المعنى الذى يخص الجندى. ليس لأنه ظل حياً. وإنما لأنه لم يتخل عن مهمته حتى النهاية.
لقد ترك سيد زكريا خليل وراءه درساً لا يحتاج إلى شرح طويل. عندما يصبح الوطن أمانة فى لحظة الخطر. لا يكون السؤال كيف أنجو. وإنما كيف أؤدى واجبى.
ومن هنا يأتى معنى أكتوبر. ليس العبور مجرد لحظة عسكرية. وليس النصر مجرد نتيجة لمعركة. وراءه رجال حملوا السلاح. ورجال خططوا. ورجال قاتلوا. ورجال سقطوا ولم يروا النتيجة التى ساهموا فى صنعها.
كان سيد واحداً من هؤلاء. خرج من صعيد مصر جندياً. ودخل ذاكرة الوطن شهيداً. وحين نستعيد أكتوبر. لا ينبغى أن نتذكر فقط الذين عبروا وعادوا. علينا أيضاً أن نتذكر الذين عبروا ولم يعودوا. أولئك الذين توقفت خطواتهم عند نقطة ما من الطريق. بينما إستمر الوطن من بعدها.
ومن بينهم يقف إسم سيد زكريا خليل. لا يحتاج إلى أسطورة مصنوعة حوله. تكفيه قصته. تكفيه اللحظة التى وقف فيها بعد إستشهاد رفاقه. وتكفيه القوة التى واجهها. ويكفيه الوقت الذى إنتزعه من خصمه. وتكفيه تلك التحية التى خرجت من الجانب الآخر بعد أن إنتهى كل شىء.
فوق رمال سيناء. كان سيد يعرف أن الموت قد يكون أقرب إليه من النجاة. ومع ذلك ظل فى موقعه. هناك. فى تلك اللحظة القصيرة بين الرصاصة الأخيرة والصمت. إكتملت حكاية الرجل.
لم يعد أمامه مستقبل يفكر فيه. ولا طريق يعود منه إلى البيت. ولا فرصة ليرى ما ستفعله الأيام بإسمه. كان هناك فقط الوطن.
فحمل بندقيته. وأدى واجبه. ومضى.
وبعد نصف قرن تقريباً. ما زالت مصر تستعيد إسمه كلما عاد أكتوبر إلى الذاكرة. ليس لأن الزمن عجز عن نسيانه. وإنما لأن بعض المواقف أكبر من الزمن.
سيد زكريا خليل لم يترك لنا بطولة تحتاج إلى الزخرف. ترك لنا صورة رجل وقف حين كان الوقوف واجباً.
ومن فوق رمال سيناء. سقط الجسد. وبقيت الخطوة الأخيرة للجندى المصرى. خطوة لم تكن نحو الموت. وإنما نحو الخلود.
