كلّه تحت مسمّى الحرية… حين تتحوّل القيم إلى ضحية
بقلم: محمد صالح العوضي
لم تكن الحرية يومًا عدوًا للأخلاق، بل كانت دائمًا أحد أعمدتها الأساسية. فالحرية الحقيقية تعني الوعي، والاختيار المسؤول، والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. لكن ما نشهده اليوم هو اختطاف واضح لمعنى الحرية، وتحويلها إلى مخرج سهل لفشل تربوي متراكم داخل كثير من البيوت.
تحت شعار «الحرية الشخصية» سقطت حدود كثيرة، وتراجعت أدوار أصيلة للأسرة، وغاب التوجيه، وتحول الصمت إلى أسلوب تربية، واعتُبر التدخل في سلوك الأبناء تعديًا، والنصح تخلفًا، والتقويم قمعًا. وهنا بدأت الأزمة.
البيوت التي كانت حصن القيم أصبحت في بعض الحالات عاجزة عن أداء دورها، لا لضعف المحبة، بل لغياب المنهج. فالحرية دون ضوابط لا تصنع إنسانًا حرًا، بل فردًا تائهًا. والطفل أو الشاب الذي يُترك دون توجيه، لا يتعلم الاستقلال، بل يتعلم الفوضى.
الأسباب كثيرة، لعل أبرزها انشغال الوالدين، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع الحوار الأسري، وغياب القدوة. فالطفل لا يتربى بالكلمات وحدها، بل بالسلوك الذي يراه، وبالقيم التي تُمارس أمامه يوميًا. وعندما يرى تناقضًا بين ما يُقال وما يُفعل، يفقد البوصلة.
كما ساهم الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين الحرية والانفلات في تكريس هذا الخلل. فالحرية لا تعني كسر القيم، ولا التمرد على كل ثابت، ولا رفض أي توجيه. الحرية الحقيقية هي أن أكون قادرًا على الاختيار، ومدركًا لعواقبه، ومحترمًا لذاتي ولغيري.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس سلوكيات فردية خاطئة، بل تطبيع المجتمع معها تحت لافتة «هذا زمن الحرية». فحين يصبح الخطأ رأيًا، والانحراف وجهة نظر، ويُتهم المصلح بالتشدد، نكون أمام أزمة وعي حقيقية.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الحرية داخل بيوتنا، وإلى تربية تقوم على التوازن: حرية مع مسؤولية، وحوار مع حزم، ومحبة لا تلغي المتابعة. فبناء الإنسان لا يكون بالمنع المطلق، ولا بالترك الكامل، بل بالفهم والتوجيه والاحتواء.
ختامًا، الحرية ليست المشكلة، بل سوء استخدامها. والتربية ليست قيدًا، بل حماية. وإذا أردنا مجتمعًا متماسكًا، فعلينا أن نبدأ من البيت، حيث تُزرع القيم، ويُصنع الوعي، وتُفهم الحرية كما يجب أن تكون
