📁عاااااااااجل

الفهم النقدي لمجموعة “الشيء الذي حول عنقك” للكاتبة النيجيرية تشيما ماندا نجوزي أديتشي: بين الهوية، الانتماء، والبحث عن الذات.

 



الفهم النقدي لمجموعة “الشيء الذي حول عنقك”

للكاتبة النيجيرية تشيما ماندا نجوزي أديتشي:

بين الهوية، الانتماء، والبحث عن الذات.



حسن غريب أحمد 

ناقد باحث مصري 


 قراءة في لحظة نصية وعالمية.

نشرت تشيما ماندا أديتشي مجموعتها القصصية The Thing Around Your Neck عام 2009، وهي أول مجموعة قصيرة لها بعد روايتي Purple Hibiscus وHalf of a Yellow Sun. تضم المجموعة 12 قصة قصيرة تتعدد مواقعها بين نيجيريا والولايات المتحدة الأمريكية، وتتناول بطلاتها وأبطالها تجارب الانتقال والاغتراب والهوية والتغيير الاجتماعي والثقافي. 


تتميز كتابة أديتشي بـ نبرة سردية صافية، مباشرة لكنها عميقة، مبسطة ولكنها مكثفة في الدلالة، ما يجعل كل قصة نافذة على عالم إنساني بؤري يتجاوز التفاصيل السطحية ليغوص في صميم النفس والعلاقات والقوة. 


1. العنوان كجسر بين النص والقارئ: “الشيء الذي حول عنقك”

العنوان المختار للمجموعة هو نفسه عنوان إحدى القصص، ويعمل كـ استعارة محورية لفهم التجربة الإنسانية المركزية في الكتاب. 

ففي قصة العنوان، تشعر البطلة “أكونّا” بإحساس خانق لا يمكنها تفسيره تمامًا بعد انتقالها لأمريكا، وهو ما يشير إلى:

الضغط النفسي للاغتراب

الثقافة الغريبة التي تُخنق الذات

الوحدة والصمت كأدوات قهرية للهوية

فالـ “شيء” في العنوان لا يُذكر صراحة، بل يصبح تمثيلًا عن العزلة وأعباء الاندماج في ثقافة جديدة ورفض الآخر فهمها. 


2. موضوعات أساسية في المجموعة

أ. الاغتراب والهجرة والهوية

هي السمة الغالبة في أكثر من نصف القصص، حيث يجد العديد من الشخصيات نفسها بين عالمين: نيجيريا التي تنتمي إليها جذورهم وأمريكا التي هاجروا إليها سعيًا لتحقيق أحلام أو هروبًا من قيود. هذا الاغتراب يظهر في:

مشاعر الانعزال والحنين إلى الوطن

صراع اللغة والمعايير الثقافية

التفاوت بين توقعات “الحلم الأمريكي” والحقيقة المرهقة للحياة اليومية في المهجر 


في قصة “Imitation”، تتصارع البطلة بين الولاء لزوجها الغائب جسديًا ونمط الحياة الأمريكية، مقابل تعلقها العاطفي بنيجيريا؛ مما يعكس الشقاء الذي يعيشه المهاجر في المفاضلة بين الاثنين. 


ب. العلاقات بين الجنسين وقضايا المرأة

تركز أديتشي على تجارب المرأة، ليس فقط كمهاجرة، ولكن أيضًا كـ مرأة تواجه صراعات اجتماعية وثقافية وجندرية داخل المجتمعين. تظهر النساء في القصص وكأنهن في علاقة توتر دائمة بين التوقعات التقليدية والبحث عن الذات، فهنّ:

يخضعن لضغوط الزواج، الأخلاق، والولاء الأسري

يتعرضن أحيانًا للانتقاص من قبل الرجال أو المجتمع

يحاولن استعادة السيطرة على حياتهن وهوياتهن في بيئات متطلبة وقاسية .


ج. الطبقية والصراع الاجتماعي

الطبقية ليست مجرد خلفية، بل دافع نفسي واجتماعي لدى كثير من الشخصيات، يظهر ذلك في:

اختلاف معايير الطبقات داخل نيجيريا ثم في المهجر

مقابلة الطبقية الأميركية بالنيجيرية

الحواجز الاقتصادية التي تحدد فرص الاندماج والثقة بالنفس .


3. أسلوب السرد واللغة

تعتمد أديتشي على أساليب سردية متنوعة:

السرد بصيغة المخاطب (Second Person) في القصة الرئيسية يخلق ضمنا علاقة حميمة بين القارئ والبطلة. 


مشاهد واقعية خالصة تجعل القراء يشعرون بالمكان والزمان دون مبالغة بلغة واقعية دقيقة.

الرموز مثل العنق الذي يحيط به الشيء تمنح النصّت بعدًا نفسيًا ورمزيًا عميقًا، يعبر عن الخنق الداخلي والضغط الاجتماعي.

4. قراءة نقدية لبعض القصص المختارة

أ. “الشيء الذي حول عنقك”

أكثر القصص تعبيرًا عن التجربة الاغترابية. البطلة تعيش صراعًا بين توقعات أسرية وأحلام شخصية وبين الواقع القاسي الذي يواجهها في أمريكا. الخنقة النفسية هنا ليست مادية، بل شعور عميق بالعزلة والاختلاف الثقافي. 


ب. “Imitation”

تُظهر كيف يمكن للزواج والهوية الثقافية أن يتحولا إلى أدوات سجن حتى خارج الوطن. تبين القصة أن الاغتراب ليس فقط جغرافيًا، ولكنه أيضًا نفسي، حيث تفقد البطلة شعورها بذاتها داخل علاقة تؤثر على استقلالها. 


ج. “A Private Experience”

تعبّر عن إمكانية التكاتف الإنساني في وجه العنف والطائفية داخل نيجيريا. هنا، تكون العلاقات الإنسانية أكثر بروزًا من الانقسام الاجتماعي، ما يشير إلى قوة الإنسانية في مواجهة الكراهية. 


5. أثر النص وجماهيريته

لاقى الكتاب ردود فعل نقدية إيجابية في الصحافة الأدبية العالمية لما يقدّمه من:

صوت جديد للصوت الأفريقي المعاصر في الأدب العالمي

معالجة موضوعات الاغتراب والهوية بأسلوب قريب من القارئ دون تبسيطها

تقنية سردية تضيف بعدًا إنسانيًا عميقًا إلى تجارب أبطال القصص .



خاتمةرؤيتي النقدية: 

جدل بين الانتماء والفقد

تؤكد أديتشي في “الشيء الذي حول عنقك” أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من الصراع والتشكّل. الشخصيات في المجموعة تنتقل عبر ثقافات وأماكن لكنها تبقى – رغم ذلك – في بحث دائم عن ذاتها، في فضاء يصعب فيه تصنيف الانتماء أو اكتشافه بسهولة. وكل قصة هنا توفّق بين ما هو شخصي وما هو جماعي، بين ما هو محلي وما هو عالمي، لتقدم رؤية إنسانية عميقة ومتداخلة في عالم متغير. 



تمثيلات الاغتراب والهوية الأنثوية في مجموعة «الشيء الذي حول عنقك»

للكاتبة النيجيرية تشيما ماندا نجوزي أديتشي


حسن غريب أحمد 

ناقد باحث مصري 



ملخص (Abstract)

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية  لمجموعة «الشيء الذي حول عنقك» للكاتبة النيجيرية تشيما ماندا نجوزي أديتشي، من خلال تحليل تمثيلات الاغتراب، والهوية، والجسد الأنثوي في سياق ما بعد كولونيالي عابر للثقافات. 

تعتمد الدراسة على مقاربة تكاملية تجمع بين النقد الثقافي، والسرديات الحديثة، والنقد النسوي ما بعد الكولونيالي، للكشف عن كيفية اشتغال القصة القصيرة بوصفها فضاءً لمساءلة علاقات القوة، والانتماء، والهجرة، والذات.

وتبيّن الدراسة أن أديتشي لا تكتفي بتصوير تجربة المرأة الإفريقية في الداخل والمهجر، بل تعيد صياغتها سرديًا بوصفها تجربة إنسانية كونية، تتقاطع فيها الخاصية الثقافية مع الأسئلة الوجودية الكبرى. كما تكشف عن وعي سردي عميق يتجلى في الاقتصاد اللغوي، وتوظيف ضمير المخاطب، والنهايات المفتوحة، بوصفها أدوات دلالية لا جمالية فقط.

تخلص الدراسة إلى أن المجموعة تمثل نموذجًا بارزًا للسرد القصصي المعاصر الذي يحوّل التفاصيل اليومية إلى خطاب أخلاقي نقدي، ويؤكد دور الأدب في الفهم والمساءلة وإعادة تشكيل الوعي.


الكلمات المفتاحية:

 الاغتراب – الهوية – السرد النسوي – ما بعد الكولونيالية – القصة القصيرة – تشيما ماندا نجوزي أديتشي


قراءة مقارنة وتحليل شخصيات مختارة


أولًا: مدخل منهجي

تقوم هذه القراءة على الجمع بين المنهج الثقافي (Cultural Criticism) والمنهج السردي (Narratology)، مع الإفادة من أدوات النقد النسوي ما بعد الكولونيالي، بوصف المجموعة نصًا يكتب من تخوم الهوية، ومن موقع مزدوج: إفريقي/غربي، أنثوي/اجتماعي، فردي/جمعي.

 لا تُقرأ القصص هنا بوصفها وحدات مستقلة فقط، بل كبنية دلالية كلية تتكرر فيها الثيمات مع اختلاف الزوايا والسياقات.


ثانيًا: مقارنة نقدية بين قصص المجموعة

1. الاغتراب: من الجغرافيا إلى النفس

يمكن تقسيم قصص المجموعة إلى مستويين من الاغتراب:

اغتراب مكاني مباشر: في القصص التي تدور في الولايات المتحدة مثل:

The Thing Around Your Neck

Imitation

The Arrangers of Marriage

اغتراب داخلي/نفسي: في القصص التي تدور داخل نيجيريا نفسها مثل:

A Private Experience

Tomorrow Is Too Far

Cell One

المفارقة أن الاغتراب لا يزول بالعودة إلى الوطن، بل يتخذ شكلًا آخر؛ فالوطن ذاته يصبح فضاءً طاردًا حين يختل ميزان العدالة أو تتصدع العلاقات العائلية والطائفية.

في A Private Experience، لا يأتي الخوف من الغريب، بل من القريب، ومن الجماعة التي يُفترض أن تمنح الأمان. 

بينما في The Thing Around Your Neck، يأتي الخوف من الصمت، من الوحدة، ومن نظرة الآخر التي تختزل الذات في صورة نمطية.


2. الحلم الأمريكي: من الوعد إلى القيد

في أكثر من قصة، تفكك أديتشي أسطورة "الحلم الأمريكي" عبر شخصيات نسوية تصل محمّلة بتوقعات كبرى، لتصطدم بواقع أكثر قسوة:

العمل الهش

العنصرية الناعمة

التشييء الثقافي للمرأة الإفريقية

في قصة The Arrangers of Marriage، يصبح الزواج ذاته أداة اندماج قسري، حيث يُعاد تشكيل الاسم، واللهجة، والعادات، وكأن الهوية عبء يجب التخلص منه. 

بينما في Imitation، يتحول الثراء الظاهري إلى قناع يخفي خواءً عاطفيًا وسلطة ذكورية عابرة للحدود.


3. الجسد الأنثوي بوصفه ساحة صراع

الجسد في هذه المجموعة ليس جسدًا بيولوجيًا فقط، بل جسد ثقافي تُكتب عليه علاقات القوة:

جسد مراقَب

جسد مُقارن

جسد مُطالَب بالامتثال

في قصة On Monday of Last Week، يتخذ الجسد بعدًا صامتًا؛ امرأة تعيش داخل زواج بلا صوت، وتجد خلاصها المؤقت في التلصص الجمالي على امرأة أخرى، لا بوصفها رغبة جسدية، بل كبحث عن انعكاس مفقود للذات.


ثالثًا: تحليل شخصيات مختارة

1. أكوُنّا – قصة «الشيء الذي حول عنقك»

تمثل أكوُنّا نموذجًا للذات المهاجرة التي لم تستطع أن تتحول إلى "قصة نجاح". 

هي شخصية تُكتب من الداخل، من الإحساس الخانق الذي لا اسم له.

 اختيار السرد بضمير المخاطب (أنتِ) يجعل القارئ شريكًا في التجربة، لا مراقبًا خارجيًا.

«كنتِ تشعرين بأن شيئًا ما يضيق حول عنقك، كلما طال صمتك.»

هذا "الشيء" غير المسمّى هو ذروة الوعي السردي؛ إنه:

الخوف

الوحدة

ضغط التوقعات العائلية

استحالة الشرح للآخر

أكوُنّا لا تنهزم صراحة، لكنها أيضًا لا تنتصر.

 إنّها تُعلّق في منطقة بينية، وهو ما يمنح الشخصية صدقها الإنساني.


2. نِكم – قصة «Imitation»

نِكم زوجة تعيش في أمريكا، بينما يعيش زوجها حياة أخرى في نيجيريا. 

هي شخصية تعي زيف الاستقرار، وتدرك أن الغياب ليس مكانيًا فقط، بل أخلاقي وعاطفي.

 «كانت تعرف أن البيت واسع، لكنه بلا قلب.»

قرار نِكم في نهاية القصة – بالعودة – ليس عودة رومانسية إلى الوطن، بل فعل مقاومة، واستعادة للذات المسلوبة داخل زواج استعراضي.

 هنا، تتحول المرأة من موضوع للانتظار إلى فاعل أخلاقي.


3. شيكا – قصة «Tomorrow Is Too Far»

شيكا شخصية معقّدة تُبنى على الإحساس بالذنب المؤجل. 

القصة تُروى من منظور طفلة، لكن الذاكرة تُعاد كتابتها بوعي بالغ.

«لم أكن أعرف أن الرغبة في أن يختفي أحد، يمكن أن تتحقق.»

هنا، لا تكتب أديتشي عن الشر الصريح، بل عن المناطق الرمادية في النفس البشرية، حيث يتجاور الحب والغيرة، والبراءة والقسوة. 

شيكا ليست شريرة، لكنها إنسانية إلى حد الإدانة.


رابعًا: البنية السردية والاقتصاد اللغوي

تعتمد أديتشي على:

جمل قصيرة مكثفة

حذف مقصود للزخرفة البلاغية

نهايات مفتوحة

هذا الاقتصاد اللغوي يعكس طبيعة التجربة ذاتها: حياة لا تملك رفاهية الشرح، ومشاعر تُعاش أكثر مما تُقال.


خاتمة رؤيتي النقدية: المجموعة بوصفها بيانًا إنسانيًا

لا يمكن قراءة «الشيء الذي حول عنقك» كمجرد مجموعة عن الهجرة أو المرأة، بل بوصفها نصًا كاشفًا عن هشاشة الإنسان المعاصر، حين يُجبر على إعادة تعريف نفسه داخل منظومات ثقافية واقتصادية لا ترحم.

تنجح أديتشي في تحويل القصص القصيرة إلى مرايا أخلاقية، لا تقدم حلولًا، بل تطرح أسئلة موجعة:

من نكون حين نفقد لغتنا الأولى؟

ما الذي يبقى من الحب داخل علاقات القوة؟

وهل يمكن للعودة أن تكون شكلًا من أشكال التحرر؟

إنها مجموعة تُقرأ ببطء، وتُحفر في الذاكرة، لأنها لا تضغط على العنق فقط، بل على الضمير الإنساني ذاته.


خامسًا: الإطار النظري والمراجع النقدية 

1. الإطار النظري

تستند هذه الدراسة إلى عدد من المرجعيات النقدية التي تسهم في تفكيك بنية النص ودلالاته، من أبرزها:

النقد ما بعد الكولونيالي: كما تنظّر له غاياتري سبيفاك وإدوارد سعيد، خاصة في ما يتعلق بمفهوم "الصوت المهمَّش" وتمثيل الذات غير الغربية داخل خطاب المركز.

النقد النسوي العابر للثقافات: الذي يرى في تجربة المرأة غير الغربية تجربة مضاعفة القهر (جندري/ثقافي)، وهو ما يتجلى بوضوح في شخصيات أديتشي.

السرديات الحديثة: خصوصًا ما يتعلق باستخدام ضمير المخاطب، والاقتصاد اللغوي، والنهايات المفتوحة بوصفها تقنيات دلالية لا جمالية فقط.

تتكامل هذه الأطر في قراءة المجموعة بوصفها خطابًا سرديًا يقاوم التشييء والاختزال، ويعيد الاعتبار للتجربة الفردية بوصفها وثيقة ثقافية.


2. المراجع والحواشي 

1. Adichie, Chimamanda Ngozi. The Thing Around Your Neck. Fourth Estate, 2009.

2. Said, Edward. Culture and Imperialism. Vintage Books, 1994.

3. Spivak, Gayatri Chakravorty. "Can the Subaltern Speak?" in Marxism and the Interpretation of Culture, University of Illinois Press, 1988.

4. hooks, bell. Feminism Is for Everybody. South End Press, 2000.

5. Ashcroft, Bill et al. The Empire Writes Back. Routledge, 2002.

6. Tyson, Lois. Critical Theory Today. Routledge, 2015.

7.  ياقوت ليث. السرد والهوية في الأدب ما بعد الكولونيالي.

 الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2018.

8. عبد الله الغذامي.

 المرأة واللغة. المركز الثقافي العربي، 2006.


زبدة القول:

تقدّم مجموعة «الشيء الذي حول عنقك» نموذجًا بالغ الثراء للسرد القصصي المعاصر الذي يتجاوز المحلي إلى الكوني، دون أن يفقد خصوصيته الثقافية. 

فقصص أديتشي لا تكتب عن المرأة الإفريقية بوصفها ضحية نمطية، بل كذات واعية تتألم، وتقاوم، وتعيد مساءلة العالم من موقعها الهش.

تؤكد هذه الدراسة أن القيمة الفنية للمجموعة لا تكمن فقط في موضوعاتها، بل في وعيها السردي العميق، وفي قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة وجودية كبرى حول الهوية، والانتماء، والحرية.

وبذلك، فإن «الشيء الذي حول عنقك» ليست مجرد مجموعة قصصية، بل بيان سردي أخلاقي يعيد الاعتبار للأدب بوصفه أداة للفهم والمساءلة، لا للزينة أو التسلية.

تعليقات