واحة الأرواح: حين تكون العلاقات ملاذا الأرواح لا معركة
بقلم باهر رجب
 |
| ملاذ الأرواح |
في عالم يركض بجنون، وتتصاعد فيه وتيرة الحياة لتصبح أشبه بسباق لا ينتهي، تظل حاجة الإنسان الفطرية هي البوصلة التي توجه خطاه وسط الزحام. ولكن، ومع تعقد المفاهيم الاجتماعية، نسأل أنفسنا: ما الذي نرجوه حقا من علاقاتنا؟ هل هو البرستيج الاجتماعي؟ أم سد خانات الوحدة؟ أم بناء قلاع من التوقعات المثالية؟ إن الحقيقة الأعمق و الأبسط في آن واحد تتبلور في عبارة وجيزة لكنها تحمل ثقل الوجود: "إن الهدف الأسمى وراء العلاقات هو أن نستريح معا.. أو على الأقل أن لا يعاني أحدنا بمفرده".
مفهوم الاستراحة في حضرة الآخر
الاستراحة هنا لا تعني الكسل أو التوقف عن النمو، بل هي "الاستراحة النفسية". ذلك الشعور الذي يغمرك حين تغلق باب بيتك خلفك، فتخلع قناع القوة والصلابة الذي ترتديه أمام العالم، لتكون أنت كما أنت، بضعفك، و هشاشتك، و بعثرتك.
العلاقة الحقيقية هي تلك التي لا تضطرك لشرح نكاتك، ولا لتبرير حزنك المفاجئ. هي المساحة الآمنة التي تسقط فيها أسلحة الدفاع، حيث تجد قلبا يمتص قلقك كما تمتص الأرض العطشى قطرات المطر. عندما "نستريح معا"، فنحن لا نلغي أعباء الحياة، بل نوجد ركنا هادئا نتكئ فيه لنستعيد قدرتنا على مواجهة تلك الأعباء في الصباح التالي.
تقاسم الوجع.. نبل المشاركة في المعاناة
قد لا تمنحنا الحياة دائماً رفاهية "الراحة"، فقد تشتد العواصف، وتطرق الأزمات أبوابنا بعنف. هنا يتجلى الوجه الآخر والنبيل للعلاقات: ألا يعاني أحدنا بمفرده.
إن أقسى أنواع الألم ليس الوجع ذاته، بل الوجع الذي يعاش في عزلة. عندما يمر الإنسان بضائقة مالية، أو فقدان عزيز، أو انكسار حلم، فإن وجود شريك أو صديق "يشهد" على هذا الألم، ويحمل جزءا من ثقله المعنوي، يحول المعاناة من صخرة جاثمة على الصدر إلى حمل يمكن تقاسمه.
أن لا تعاني بمفردك يعني أن هناك عينا ترقب دمعتك قبل أن تسقط، ويداً تمتد لتخبرك "أنا هنا"، حتى وإن لم تملك حلولا سحرية. هذه المشاركة الوجدانية هي التي تجعل المرء يشعر بأنه لا يزال ينتمي إلى هذا العالم، وأن صوته مسموع حتى في لحظات صمته المطبق.
العلاقات كعلاج للغربة الوجودية
نحن نعيش في عصر "الاتصال الدائم" و"التواصل المنعدم". نملك آلاف المتابعين لكننا قد لا نجد من نهاتفه حين يضيق بنا الصدر في منتصف الليل. لذا، فإن العودة إلى جوهر العلاقات القائم على "الراحة والمؤانسة" هو ترياق للغربة الوجودية.
العلاقة الناجحة ليست تلك التي تخلو من المشاكل، بل هي التي يشعر فيها الطرفان أن "الخسارة" في مواجهة العالم أهون بكثير من "الخسارة" لبعضهما البعض. هي العهد غير المكتوب بأننا، مهما ساءت الظروف، سنكون لبعضنا "المنفى الجميل" من ضجيج الواقع.
الختام: البحث عن السكينة
في نهاية المطاف، كل الطموحات المشتركة، والنجاحات المادية، والخطط المستقبلية تظل قشورا إذا لم يكن جوهر العلاقة هو "السكينة". فما نفع أن نبني قصرا معا ونحن لا نستطيع أن ننام فيه بقلوب مطمئنة؟
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه لإنسان تحبه، وما يمكن أن يقدمه هو لك، ليس الثراء أو المجد، بل هو ذلك الشعور الدافئ بأنك "لست وحدك في الخندق"، وأن هناك من اختار أن يتقاسم معك تعب الطريق، لتستريحا معاً حين يحل المساء.