سراب الخلود: لماذا نلهث خلف "الأبدية" في رحلة عمرها لحظة؟
 |
| سراب الخلود |
بقلم باهر رجب
تبدأ الحياة بصرخة وتنتهي بصمت، وبين هذين القطبين يمتد خيط رفيع من الزمن نسميه "العمر". نحن الكائنات الوحيدة التي تدرك تماما فناءها، ومع ذلك، نحن الكائنات الأكثر هوسا بفكرة البقاء. هنا يبرز السؤال الوجودي العميق: إذا كانت الحياة بحد ذاتها مؤقتة، فبأي حق، وبأي منطق، نبحث عن أبدية الأشياء؟
مفارقة الكائن العابر
نحن نسير على هذه الأرض كضيوف، نعرف يقينا أن موعد رحيلنا قد حدد مسبقا، حتى وإن لم نطلع على الساعة. ومع ذلك، نبني بيوتا لتعيش قرونا، ونكتب قصائد نرجو لها الخلود، ونعد من نحب بـ "حب أبدي" لا يقطعه موت. هذه النزعة الإنسانية ليست مجرد غرور، بل هي صرخة احتجاج ضد العدم.
إن "الحق" الذي يمنحنا إياه العقل للبحث عن الأبدية هو حق الأمل. نحن نحاول أن نمد ظلالنا لتتجاوز أجسادنا الفانية. نبحث عن الخلود في كلمة، أو في لوحة، أو في ذكرى طيبة، وكأننا نحاول أن نضع بصمتنا على جدار الزمن قبل أن يمحونا موجه العاتي.
اقرأ أيضا
سراب الخلود عبء الأبدية وهشاشة اللحظة
الحقيقة التي نتجاهلها غالبا هي أن قيمة الأشياء تكمن في ندرتها وتوقيتها. الزهرة جميلة لأنها ستذبل، و الغروب ساحر لأنه سيتلاشى بعد دقائق. لو كانت الأشياء أبدية، لفقدت سحرها، ولتحولت الحياة إلى روتين ممل لا ينتهي.
إن محاولتنا "تخليد" العلاقات أو الأشياء المادية غالبا ما تنتهي بخيبة أمل، لأننا نطلب من النسبي أن يصبح مطلقا، ومن المتغير أن يصبح ثابتا. نحن نعيش في عالم محكوم بقانون التحول. فالفصول تتغير، والخلايا تتجدد، والمشاعر تتبدل. لذا، فإن البحث عن الأبدية وسط هذا الصخب هو محاولة لترميم المستحيل.
هل نملك حق "التملك"؟
عندما نسأل "بأي حق"، فنحن نلمس جانب "الملكية". الإنسان يشعر بامتلاك اللحظة، ومن فرط حبه لها يريد سجنها في إطار "الأبد". لكن الحقيقة هي أننا لا نملك حتى أنفسنا، فكيف نملك خلود الأشياء من حولنا؟
إننا نبحث عن الأبدية لأننا نخاف من النسيان. النسيان هو الموت الحقيقي في نظر الإنسان، لذا يمارس نوعا من "المقاومة السلمية" ضد الزمن عبر الفن، والعمارة، و الإنجاب. نحن نريد أن نترك أثرا يقول: "لقد مررنا من هنا ذات يوم".
اقرأ هذا
فلسفة القبول: سراب الخلود
بدلا من البحث المجهد عن أبدية الأشياء، ربما يجدر بنا تعلم "فن التخلي". أن نعيش اللحظة بكل ثقلها وجمالها، دون أن نثقل كاهلها بشرط البقاء. إن قبولنا لكوننا "مؤقتين" يحررنا من قلق المستقبل ومن ثقل التملك.
الأبدية ليست في طول الزمان، بل في عمق الشعور. لحظة واحدة من الصدق، أو الحب، أو الإدراك، قد تزن في ميزان الروح دهرا كاملا. هنا نجد "الأبدية النوعية" لا "الكمية".
ختاما، إن بحثنا عن الأبدية هو اعتراف ضمني بعظمتنا و هشاشتنا في آن واحد. نحن كائنات من طين تحلم بالنجوم، وكائنات من زمن تنشد الخلود. قد لا نملك "الحق" المنطقي في البحث عن أبدية الأشياء في عالم زائل، لكننا نملك "الدافع" الإنساني الذي يجعل لحياتنا معنى، حتى لو كانت مجرد ومضة في ليل الكون الطويل.