📁عاااااااااجل

الفساد الإداري… منظومة متكاملة تتخفّى خلف الخِدمة العامة


 بقلم/ محمد فوزي عناني

لم يعد الفساد الإداري في كثير من القطاعات الخدمية مجرد تصرفات فردية معزولة أو أخطاء عابرة يمكن تجاوزها بإجراءات تأديبية محدودة، بل أصبح في حالات عديدة منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح، وتتوارثها الهياكل الإدارية، وتغذيها ثقافة صمت وتواطؤ غير معلن. هذه المنظومة لا تعمل بالصدفة، وإنما تقوم على شبكة معقدة من العلاقات والممارسات التي تضمن استمراريتها، حتى داخل أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا في مستقبل المجتمع.

فالفساد الإداري المنظم يبدأ غالبًا من تشوه القواعد، حين تتحول القوانين واللوائح المنظمة للعمل إلى نصوص مرنة تُفسَّر حسب الأشخاص لا حسب المصلحة العامة. وعندما تصبح القرارات الإدارية خاضعة للأهواء أو العلاقات الشخصية، تتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق، ويحل محلها منطق “من يعرف من”، وهو منطق يضرب في صميم أي مؤسسة يُفترض أن تقوم على العدالة وتكافؤ الفرص.

وتتعمق المنظومة أكثر عندما تتداخل السلطة الإدارية مع المصالح الشخصية، فتتحول بعض المواقع الوظيفية من مواقع خدمة إلى أدوات نفوذ. في مثل هذه الأجواء، لا تكون الأولوية لتطوير الأداء أو تحسين جودة الخدمة، بل لإرضاء شبكات داخلية تستفيد من بقاء الأوضاع على ما هي عليه، حتى لو كان الثمن تراجع المستوى العام وضياع حقوق المستفيدين.

ولا يقتصر الفساد المنهجي على المستويات العليا فقط، بل يمتد رأسيًا وأفقيًا داخل الجهاز الإداري. فالموظف الصغير قد يجد نفسه محاصرًا بثقافة مؤسسية ترى التجاوز أمرًا عاديًا، والتقصير سلوكًا مقبولًا، طالما أنه لا يخرج عن الإطار غير المعلن لما هو “سائد”. وهكذا تتحول الممارسات الخاطئة إلى نمط يومي، يُبرَّر أحيانًا بضعف الإمكانيات، وأحيانًا أخرى بضغوط العمل، بينما السبب الحقيقي هو غياب المحاسبة.

كما تلعب الرقابة الشكلية دورًا محوريًا في ترسيخ هذه المنظومة. فعندما تقتصر المتابعة على التقارير الورقية، أو الزيارات البروتوكولية، دون تقييم حقيقي للأثر والنتائج، يصبح من السهل إخفاء الخلل، بل وتجميله أحيانًا. وفي قطاعات يفترض أن تكون قدوة في الانضباط والشفافية، يؤدي هذا الخلل إلى نتائج تتجاوز الإدارة لتطال المجتمع بأكمله.

الأخطر من ذلك أن الفساد الإداري المنظم في القطاعات المرتبطة بتشكيل الوعي وبناء الإنسان لا يقتصر ضرره على المال العام فقط، بل ينعكس على جودة المخرجات، ويُضعف الثقة في المؤسسات، ويخلق أجيالًا تشعر بأن الجهد لا يُكافأ، وأن الطريق المختصر هو القاعدة لا الاستثناء.

ولا يمكن محاربة هذا النوع من الفساد، بوصفه منظومة متكاملة، إلا من خلال تحمل جماعي للمسؤولية. فالمواجهة لا تقتصر على جهة بعينها، بل تبدأ بإرادة إصلاح حقيقية من داخل المؤسسات، وتستند إلى قوانين واضحة تُطبَّق بعدالة، ورقابة فعالة لا تجامل، وإعلام مهني يسلط الضوء على الخلل دون تهويل أو تزييف.

إن ترسيخ ثقافة النزاهة في أي قطاع خدمي يبدأ من الفرد، ويمتد إلى المؤسسة، وينتهي عند الدولة. وعندما يصبح الإصلاح أولوية حقيقية لا شعارًا مرفوعًا، يمكن تفكيك منظومات الفساد الصامتة، واستعادة دور الإدارة العامة كأداة لبناء الإنسان وخدمة المجتمع، لا كعبء يثقل كاهله.

Mohammad Fawzi Enany
Mohammad Fawzi Enany
تعليقات