
الشجونِ السوداء
والليلُ يسدلُ أثوابَ الشجونِ السوداء

قلم:وائل عبدالسيد
المقطع الأول: الاحضار الصامت (وطأة اليأس)
في غيابةِ الجُبِّ، حيثُ الصمتُ ينهشُ أطراف المدى، والليلُ يسدلُ أثوابَ الشجونِ السوداء بلا صدى، وقفتُ وحيداً أعدُّ نبضاً تاهَ في دروب الخريف، وأمسحُ دمعةً جفت على عتباتِ قلبي الجريح. كان اليأسُ ذئباً ضارياً يتربصُ بالأحلامِ في صدري، ويحفرُ بئراً عميقة من الأوجاعِ والندوب في ذاكرتي. قلتُ في نفسي: "قد انتهينا"، وجفَّ الحبرُ في قلمي الثائر، وضاعت خطايَ بين تيهِ الأيامِ ومرارةِ الألم. كانت الدنيا زجاجاً مهشماً في عيوني، كلما نظرتُ من خلاله جرحني الواقع، وكان الخريفُ يغتالُ براعمَ أيامي قبل أن تزهر. في هذا المقطع، كان الوقتُ مشلولاً، والروحُ سجينةً خلف قضبان من هواجس الخوف والعدم، حيث لا مجيب للنداء ولا بصيص يلوح في أفق الوجع.
المقطع الثاني: ميلاد النور (لحظة التحول)
ولكن.. في ذروةِ تلك العتمةِ السرمدية، حين ظننتُ أن القيد لن ينكسر، شعَّ خيطٌ رفيع من ضياءٍ سماوي، كهمسِ الفجرِ الوليد إذ يمحو دبابيرَ الشقاء من سماء الروح. سمعتُ صوتاً خفياً يهتفُ في أعماقي: "لستَ منفرداً، ولستَ حطاماً". فربُّ الكونِ العظيم لم يخلق فؤاداً لِيُهدم أو يُصمدا للأبد. فجأة، نفضتُ عن كاهلي غبارَ الخيبةِ المتراكم، وقمتُ كالفينيق الأسطوري، أنفض رمادي لأحلق حراً فوق السحاب. قلتُ لليأسِ بصوتٍ واثق: "ارحل أيها الغريب، فقد ذُقتُ فيكَ مُراً كفاني عمراً، والآن حان وقت الرحيل". كانت تلك اللحظة هي الزلزال الذي هدم حصون اليأس وبنى مكانها جسوراً من اليقين المطلق.
المقطع الثالث: الاسترداد (إشراقة الروح وفرحها)
فتحتُ نوافذَ الروحِ الموصدة ليدخلها نورُ الشمسِ الدافئ، يغسلُ زواياها من عتمة السنين. طويتُ صفحةَ الأحزانِ الثقيلة بيميني، ولم أعد أذكر منها سوى أنها كانت درساً في الصمود. تحولَ الطعمُ المرُّ في حلقي إلى شهدٍ مصفى وعنبر، وصارَ يبابُ اليأسِ في داخلي بستاناً من الأفراحِ، مخضراً بأوراق التفاؤل. أبصرتُ وجهَ الفرحِ يضحكُ لي في وجوه العابرين، وفي تغريد العصافير التي لم أكن أسمعها. بعدما كنتُ ضائعاً في ليلِ الهواجسِ كالتائهِ المعتوه، أصبحتُ اليوم بوصلةً لنفسي، أهتدي بنور الأمل الذي لا ينطفئ. بدأتُ أرسمُ ملامح غدي بألوانٍ زاهية، مسترجعاً كل ضحكةٍ سرقها مني غبار الزمن الضائع.
المقطع الرابعة: الخلاص (حكمة الرحلة والنهوض)
رأيتُ بيقين المؤمن أن في كسرِ الخواطرِ يكمنُ جبرُ باريها العظيم، وفي ضيقِ الدروبِ وتعرجها كانت هناك حكمةٌ خفية عشنا لياليها لنتعلم القوة. اليومَ، أنا لا أمشي بل أركضُ خلفَ حلمي كطفلٍ صغير استعاد لعبته المفقودة. لا قيدَ حديدي يمنعني، ولا خوفٌ قديم يُعطلُ المسيرَ نحو القمة. لقد أدركتُ أخيراً أن الفرحُ ليس مجرد سحابة عابرة تأتي وتمضي مع الريح، بل هو قرارٌ شجاع ينبع من أعماق القلب حينما يرتوي بحب الحياة والإيمان بالذات. إنها النهضة الكبرى، حيث يزهر اليأسُ أملاً، ويتحول الحطامُ إلى صرحٍ شامخ لا تطوله رياح الانكسار مرة أخرى.