
مرايا الوجوه

رحلة البصيرة في كشف جوهر الإنسان
قلم:وائل عبدالسيد
تمورُ هذه الأرضُ بوجوهٍ شتّى، كأنَّها مزادٌ صاخبٌ للرؤى والأطياف، والناسُ فيها بحرٌ لا ساحل له. حين نمضي في دروبنا، نطالعُ الملامحَ كلَّ يوم، فنبصرُ في عينِ الغريبِ وحشةَ غربتنا، بينما يلوحُ لنا من عيونِ المحبين فجرٌ يغسلُ عتمةَ أيامنا. نغرقُ في قراءةِ تلك السِحَن، لكننا نادراً ما ندركُ الحقيقةَ الكبرى؛ أنَّ الوجهَ ليس إلا ستاراً كثيفاً يحجبُ خلفه محيطاً من الأماني، وأنَّ الروحَ القابعةَ خلفَ هذا الستار هي دهرٌ ممتدٌ بآلامه وأفراحه، لا تلمسه العيونُ العابرة.
ثمةَ عابرون تغريهم القشور، فيأخذهم بريقُ المظهر أو وقارُ الصمتِ الزائف، وكأنَّ البشرَ لديهم مجردُ لوحاتٍ تتفاخرُ بإطاراتٍ مُذهبةٍ خاوية. غير أنَّ البصيرةَ حين تصفو، تنفذُ إلى ما وراءِ المادة، فترى في الطينِ أنفاسَ الفخارِ وقصصَ التكوين. فلا يخدعنَّك وجهٌ مستعارٌ تجمَّلَ بالزينة، فما قيمةُ القالبِ إذا تاهَ القلبُ في قفارِ الضياع؟ إنَّ رؤيتنا للإنسانِ تظلُّ ناقصةً ومشوَّهةً ما دامت تميلُ لموازين الجمالِ المادي؛ فكم من صدرٍ يئنُّ وجعاً وهو في قلب الحشود، وكم من صمتٍ يضجُّ بالابتهالِ والتضرعِ ولا يسمعه أحد.
نحنُ نمرُّ على القلوبِ بلا اكتراث، نلقي أحكامنا المسبقةَ ونبني حصوننا من الظنونِ والخيال، غافلين عن أنَّ الإنسانَ بئرٌ سحيقة، مداها أبعدُ من سحبِ الجبالِ الشاهقة. وفي رحلةِ الوجود، يراني الناسُ وفقَ مرايا نفوسهم وأهوائهم؛ فمنهم من يراني طيراً شادياً بالحرية، ومنهم من لا يبصرُ فيَّ إلا صخرةً صمَّاء، وكلٌّ يسقطُ معناه عليَّ ويظنُّ أنه أدرك كينونتي. والحقيقةُ أنني "أنا" بذاتي المستقلة، بعيداً عن أوهامهم وقيودِ رؤيتهم.
في نهايةِ المطاف، يظلُّ الحبُّ هو المفتاحَ الأوحدَ لفكِّ شفراتِ الوجودِ وفهمِ البرايا. لا عرقَ يميزنا، ولا لونَ يرفعنا فوق بعضنا، بل هو الرقيُّ الروحي الذي يجمعُ شتاتنا. فإذا أردتَ أن تلمسَ السعادة، فكن عيناً ترى في الإنسانِ قدسيةً لا تُمس، وحرمةً تليقُ بروحٍ نفخها الخالق، حينها فقط ستبصرُ جنةَ الفردوسِ وهي تتجلى فينا وبيننا.