📁عاااااااااجل

بصيرة الفيلسوف وقلب الطفل: صراع النضج والبراءة

لعنة الوعي ورقة الشعور: حين يسكن الفيلسوف و الطفل في جسد واحد

بقلم باهر رجب

بصيرة الفيلسوف وقلب الطفل
بصيرة الفيلسوف وقلب الطفل


بصيرة الفيلسوف وقلب الطفل في ممرات الحياة المتعرجة، يولد البعض محملين بهبة هي في جوهرها "ابتلاء ناعم"، هبة تجعل من الوجود رحلة بحث دائمة عن توازن مستحيل. نتحدث هنا عن تلك الفئة من البشر الذين وهبوا عقلاً ناضجاً يزن الجبال بميزان الحكمة، وقلبا غضا يحمل في طياته شفافية الطفولة و نقاءها. هي توليفة نادرة، تضع صاحبها في صراع أزلي بين ما يراه بوضوح وبين ما يشعر به بعمق.

اقرأ أيضا

بصيرة الفيلسوف: رؤية ما وراء الحجب

يمتلك هذا الإنسان "رادارا" داخليا لا يخطئ. فالعقل الناضج ليس مجرد تراكم سنوات، بل هو قدرة استثنائية على تحليل الشفرات الإنسانية. هو يرى الكذبة قبل أن تنطق، ويدرك الزيف خلف الابتسامات المصطنعة، ويفهم الأهداف المستترة وراء الكلمات المعسولة. بالنسبة له، الصمت ليس فراغا، بل هو لغة صاخبة بالمعاني التي يغفل عنها العابرون. هذا النضج العقلي يجعله يدرك تماما من يستغله، ومن يتلاعب بمشاعره، ومن لا يستحق منه حتى عناء الالتفات. إنه يمتلك منطقا صارما يخبره بأن هذا الطريق مسدود، وأن هذا الشخص خذله سابقا و سيفعلها مجددا.

قلب الطفل: العجز عن القسوة

هنا تبدأ التراجيديا الإنسانية. فعلى الضفة الأخرى من هذا العقل الجبار، يربض قلب لا يعرف الحيل. قلب ينبض بصدق فطري، و يحن لكل وجع إنساني وكأنه وجعه الخاص. هذا القلب لا يؤمن بسياسة "العين بالعين"، بل يغفر قبل أن يطلب منه العفو، ويفتح أبوابه حتى لمن أوجعوه. كما إنه يعيش هذا التناقض المرير: العقل يصرخ "احذر"، والقلب يهمس "ارحم". هو يرى الخديعة رأي العين، لكنه يختار أن يمنح فرصة ثانية، وثالثة، لا سذاجة منه، بل لأن تركيبته الوجدانية لا تسمح له بممارسة القسوة. القسوة بالنسبة له عبء ثقيل لا يطيق حمله، حتى لو كانت دفاعاً عن النفس.

الاغتراب بين المنطق والعاطفة

علاوة على ذلك يعيش صاحب هذه الصفات في حالة من الاغتراب الروحي. فهو ليس من السذج الذين يخدعون فيرتاحون بجهلهم، وليس من القساة الذين ينتقمون فيرتاحون بانتصارهم. إنه "المتفرج المتألم"، الذي يشاهد فصول استغلاله بوعي كامل، ومع ذلك يكمل المسرحية بدافع من نبله الخاص. هذا الصراع يخلق شخصية فريدة، تمتاز بـ:

الصدق المطلق:

لأنه لا يملك أدوات الزيف.

الحزن الهادئ:

الناتج عن رؤية قبح الحقيقة بوضوح.

العطاء اللامحدود:

الذي يتجاوز حدود الاستحقاق البشري.

 

اقرأ هذا

الوجود كفعل صمود

أن تكون صاحب عقل ناضج وقلب طفل يعني أنك تسير في العالم بلا دروع، رغم أنك تعلم تماما أين تكمن السهام. هي ضريبة النبل في زمن مادي، وهي برهان على أن الإنسانية في أسمى صورها ليست في القوة والسيطرة، بل في القدرة على البقاء "طيبا" رغم كل ما يعرفه المرء عن سوء العالم. في نهاية المطاف، قد يبدو هذا الشخص ضحية في نظر المنطق الجاف، لكنه في الحقيقة هو المنارة التي تذكرنا بأن الوعي لا يجب أن يقتل الرحمة، وأن الحكمة الحقيقية ليست في إغلاق الأبواب، بل في إبقائها مفتوحة رغم علمنا أن الرياح قد تكسرها.
تعليقات