📁عاااااااااجل

حين نبتعد عمّن نحب..ونصبر على ما يؤلمنا

بقلم: إيهاب نجاح جنديه

في حياتنا اليومية نعيش تناقضات كثيرة، بعضها نراه بوضوح، وبعضها يحدث داخلنا بصمت دون أن ننتبه له.

ومن أكثر هذه التناقضات غرابة وألمًا، أن الإنسان قد يقاوم من يحب، ويبتعد عمّن يمنحه الأمان، بينما يتحمل في المقابل ما يكرهه ويؤذيه وكأنه أمر طبيعي.

هذه المفارقة ليست مجرد تصرف عابر، بل حالة إنسانية متكررة، تكشف عن طبيعة النفس البشرية وتعقيد مشاعرها.

فالحب، رغم أنه أجمل ما في الحياة، قد يصبح في أحيان كثيرة مصدر خوف، ليس لأن المحبوب سيئ، بل لأن الحب الحقيقي يضعنا في مواجهة أنفسنا.

حين نحب بصدق، نشعر أننا لم نعد وحدنا، وأن قلوبنا أصبحت مكشوفة، وأننا أصبحنا قابلين للخذلان أو الفقد.

الحب يجعل الإنسان ضعيفًا بطريقة مختلفة، ضعف ليس عيبًا، لكنه إحساس ثقيل على من اعتاد أن يبدو قويًا طوال الوقت.

 ولهذا نجد بعض الناس يهربون ممن يحبونهم، يتجاهلونهم، يبتعدون فجأة، أو يدخلون في صراعات بلا سبب واضح.

ليس لأن الحب انتهى، بل لأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع صدقه وعمقه.

أحيانًا نقاوم من نحب لأن وجوده في حياتنا يوقظ داخلنا احتياجًا كبيرًا، ويذكرنا بأننا بشر، نحتاج ونشتاق ونخاف.

فنحاول الدفاع عن أنفسنا بطريقة خاطئة، نختار البعد بدل القرب، والصمت بدل الاعتراف.

وفي المقابل، نجد أنفسنا قادرين على تحمل ما نكره.

نصبر على شغل لا نريده، على علاقات تستنزفنا، على ظروف تضغط علينا، على واقع لا يشبه أحلامنا.

نستمر فقط لأننا تعودنا.

المؤلم أن الإنسان قد يتحمل الألم سنوات، لكنه لا يتحمل لحظة صدق مع نفسه.

قد يصبر على ما يكرهه لأنه يراه قدرًا مفروضًا، بينما الحب مسؤولية، والحب قرار، والحب مواجهة.

الغريب أن بعضنا يرى في الحب تهديدًا، وفي الألم عادة.

فيصبح القرب صعبًا، بينما يصبح التحمل أسهل.

لكن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن الحب ليس ضعفًا.

الحب قوة، لأنه يجعل الإنسان أفضل، ويمنحه معنى، ويجعله يشعر أنه حي.

والأقسى من كل ذلك أننا أحيانًا نخسر الأحبة بسبب مقاومتنا لهم.

نؤذي من يحبنا، ونبتعد عمن كان يمكن أن يكون سبب سعادتنا، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أننا كنا نهرب من النور إلى الظلام.

وفي النهاية، لا بد أن نسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا:

لماذا نقسو على من يحبنا؟

ولماذا نمنح صبرنا لمن لا يستحق؟

الحياة أقصر من أن نقضيها في مقاومة من نحب،

وأغلى من أن نعيشها في تحمل ما نكره.

فلنراجع قلوبنا قبل أن نفقد ما لا يُعوّض،

ولنقترب ممن يمنحوننا الصدق،

فربما يكون الحب هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن نحارب من أجله… لا أن نحاربه.

تعليقات