السعادة: اللغز الذي يكبر بالمشاركة وفن هندسة العلاقات
 |
| السعادة |
بقلم باهر رجب
في عالم يضج بالصخب المادي، والركض المستمر خلف "الأنا" الفردية، تبرز الحكمة العربية كمنارة تهدي التائهين إلى جوهر الطمأنينة. إن السعادة ليست سلعة تشتري، بل هي "سر" لا يكشف إلا للقلوب التي أدركت قيمة التواضع، و آمنت بأن الجماعة هي الحصن المنيع ضد وحشة الفردانية.
فلسفة الـ "نحن" وترياق التواضع
"السعادة سر لا تعرفه إلا النفوس المتسامحة المتواضعة". هنا نجد أن الربط بين السعادة وبين صفتين أخلاقيتين . التسامح الذي يغسل أدران الحقد، وكذلك التواضع الذي يكسر كبرياء النفس. والشعار الذي يرفعه هؤلاء السعداء هو "نحن" لا "أنا". إن الانتقال من مركزية الذات إلى رحابة الجماعة هو الخطوة الأولى لفتح أبواب السلام النفسي. ففي كلمه "نحن" قوة، وفي كلمة "أنا" عزلة لا تورث إلا الشقاء.
دستور المجالس: فن التعامل مع طبقات المجتمع
"الذكاء الاجتماعي" و"الإتيكيت الروحي" في التعامل مع مختلف أصناف البشر، مقدما نصائح ذهبية تضمن للإنسان وقاره و اتزانه:
مع العلماء
الجلوس إليهم يتطلب حضور "العقل"، فالاستفادة من علمهم لا تتم إلا بالتركيز و التدبر.
مع الأمراء
يستوجب المقام التسلح بـ "العلم" والحكمة في القول والفعل، حفظا للمكانة والقدر.
مع الأصدقاء
تذوب الرسميات ويبقى "الأدب" هو الضابط الذي يحفظ للمودة استمرارها.
مع أهل البيت
هنا تسقط كل الدروع، ولا يبقى إلا "العطف" والحنان، فالبيت هو مملكة السكينة التي تبنى باللين لا بالشدة.
مع السفهاء
يضع "الحِلم" (الصبر و الأناة) كترس واقى، فمجاراة السفه سفه، والترفع عنه نبل.
خلوة الروح: بين الذكر والمحاسبة
علاوة على ذلك لا يكتفي النظر إلى السعادة بتنظيم العلاقات الخارجية، بل يغوص في أعماق النفس. فالإنسان في خلوته يحتاج إلى ركيزتين: التسبيح ليكون في معية الخالق، والمحاسبة ليكون في مواجهة صادقة مع عيوب نفسه. إن جليس الله هو الآمن، و جليس نفسه بالحق هو المصلح الذي لا تغلبه الأهواء.
المعجزة الرياضية للسعادة
كما يختتم النص بخلاصة مدهشة تكسر قوانين الرياضيات المألوفة. ففي عالم المادة، كل شيء ينقسم على اثنين ينقص قيمته للنصف، إلا "السعادة". فهي الكيان الوحيد الذي ينمو بالقسمة، ويزدهر بالمشاركة. كذلك إنها المفارقة الجمالية التي تخبرنا أننا كلما منحنا الفرح للآخرين، تضاعف في قلوبنا.
ختاما، إن هذه الكلمات ليست مجرد نصائح عابرة، بل هي دعوة لإعادة ترتيب أولوياتنا الروحية والاجتماعية. كما إنها تذكير بأن السعادة تبدأ من الداخل بـ "التواضع"، وتمر عبر الآخرين بـ "العطاء"، وتنتهي عند الخالق بـ "التسبيح".