![]() |
| الوجع الصامت |
قلم:وائل عبد السيد
يا ليل، يا غطاء الوجود الثقيل وستر الأرواح المتعبة، أراك تتربع على عرش السكون بينما تشتعل في أحشائك نيران الهموم المكتومة. تلقي بظلمتك الموحشة فوق القلوب التي لا تجد في العتمة إلا احتراقا صامتا، وكأنك تفرض عليها عزلة إجبارية مع مواجعها. حين تغيب الشمس ويودعنا النور، نغرق في بحر سوادك اللجي، حيث يرتجل الحزن قصائده المنسية، وتختبئ وراء صمتك ملامح تخفي من الأسرار ما لا يطيقه بشر. كم من روح باتت وحيدة تحت سمائك، تناجي نجوما بعيدة لا تسمع، بينما تنهش الآلام أعماقها وتطفئ كل بريق للأمل في غد أفضل.
أنت يا ليل كاتم الأسرار الأكبر، في جعبتك تدفن الحكايات التي لم تكتمل، وعلى رصيف عتمتك تنهمل الدموع الغزيرة التي لا يراها أحد سواك. تخيم بوشاحك الأسود على دروب العشق والذكريات، فلا نلقى في غياب الضوء إلا أطيافا من الماضي وصورا ترجف لها القلوب اشتياقا. أنت الذي تجبر العيون المنهكة على السهر الطويل، وفي طياتك تموت أشواق وليدة وتكبل آمال كانت ترجو التحليق، وتستيقظ جراح قديمة ظننا أنها التأمت مع الزمن، فإذا بسكونك يحييها من جديد ويسكب عليها ملح الحنين المر.
لقد كنت دائما القاضي الصامت الذي يمنح الظالم فرصة للتمادي في غيه وفكره، ويترك المظلوم سجينا في قيد الترقب والخوف. توزع صمتك كأنه حكم مؤبد على شفاه تضج بالدعاء الصعب والابتهال المكتوم الذي يرجو الخلاص. يا قاضي العتمة، لقد ضاقت بالناس سبل النجاة في ليلك الطويل، وهم يحاولون بكل قوتهم انتشال أرواحهم من وحل الهموم التي استوطنت زوايا صدورهم واتصلت بأنفاسهم المنهكة التي تصارع من أجل البقاء في هذا الفضاء المظلم.
لكن، وبالرغم من كل هذا الجبروت والقسوة، يظل فيك بصيص خفي من الأمل لا يدركه إلا أصحاب البصيرة. ففي قلب هذا السواد يلمع النجم البعيد وينير القمر الفضي، ليذكرا كل نفس معتقلة في زنزانة الحزن بأن الفجر آت لا محالة مهما طال المدى ومهما اشتدت العتمة. خلف سترك تكتمل آيات الصبر الجميل، وفي سكونك تحتفل الروح بقدرتها العجيبة على الاحتمال والمقاومة. فمهما استبد ليل الظلم وتطاولت ساعاته، سيظل للنور صباح قادم يمحو آثاره، وللحق ميعاد مقدس يشرق فيه العدل كالشمس التي لا تغيب.
