بقلم: إيمان المهدى
في كل صباح، نستيقظ على سيل من الأخبار القاسية، حروب تشتعل في السودان وفلسطين، نزوح، قتلى، أطفال محرومون من أبسط حقوقهم، ومدن تتعرض للدمار.
ومع ذلك، نمر على هذه الأخبار مرور الكرام، بلا دهشة، بلا غضب، بلا شعور حقيقي.
لم يعد الموت المفاجئ أو الحوادث العنيفة أمرًا صادمًا، بل أصبح مألوفًا.
كل يوم نقرأ عن أحداث مأساوية، نسمع عنها في الأخبار، ونغلق الصفحة بسرعة لننتقل إلى القصة التالية، كما لو أن الألم أصبح جزءًا من الروتين.
الأزمة ليست فقط خارج حدودنا، بل امتدت إلى حياتنا اليومية.
حالات تحرّش بالأطفال، عنف أسري، انتحار الشباب تحت ضغط الحياة، حوادث طرق، جرائم قتل، وحتى الفضائح الاجتماعية التي تُتداول على مواقع التواصل، أصبحت مادة مستهلكة بلا أي شعور حقيقي تجاه المتضررين.
تتحول الأسر إلى أرقام، الضحايا إلى محتوى، والألم إلى خبر عابر يختفي مع ظهور تريند جديد.
حتى القضايا التي كانت تعتبر صادمة أو محرجة أصبحت عادية،
الأطفال الذين يتعرضون للتحرّش، الضحايا الذين يُستهدفون بلا سبب، وحتى أسر تواجه الفضيحة، كل ذلك أصبح جزءًا من حياة الناس اليومية، بلا تعليق حقيقي، بلا انفعال، بلا إحساس.
التبلّد الإنساني لم يأتِ فجأة، جاء مع كثرة الصدمات، مع تكرار المآسي، مع اعتياد البشر على مشاهدة الألم دون أن يتحركوا.
جاء مع استهلاك الأخبار بشكل سطحي، مع البحث عن الفضائح أكثر من البحث عن حلول، ومع خوف الإنسان من أن يُحس بالمسؤولية تجاه ما يحدث حوله.
الأخطر من الجرائم نفسها، هو أن يصبح الظلم طبيعيًا، وأن يُقابَل القتل بالصمت، والتحرّش بالتجاهل، والحروب بلا دموع، والفضائح بلا شعور.
في هذا المجتمع، نرى الناس يسخرون من ضحاياهم، أو يتجاهلونهم، أو يحكمون عليهم قبل أن يعرفوا الحقيقة، وكل ذلك أصبح جزءًا من الثقافة اليومية.
لكن التبلّد الإنساني ليس مجرد رد فعل.
إنه فقدان تدريجي للقدرة على التعاطف، وانغلاق أمام الألم الذي يحيط بنا، حتى أمام قصص الأطفال الذين يُعانون، أو الأشخاص الذين تُنتهك حقوقهم.
عندما تصبح المآسي عادية، نبدأ في فقدان إنسانيتنا، ونعلّم الأجيال القادمة ألا يشعروا، ألا يتأثروا، ألا يحاولوا تغيير الواقع.
ربما لا نملك تغيير العالم بين يوم وليلة،
لكن يمكننا أن نحافظ على إحساسنا، على قدرتنا على الشعور بالغضب تجاه الظلم، بالحزن تجاه الموت، وبالحساسية تجاه الأطفال والمجتمع.
لأن التبلّد أمام المأساة ليس قوة، بل بداية الطريق نحو مجتمع يعتاد الألم بلا شعور، مجتمع يفقد فيه الإنسان أهم خصائصه: التعاطف والإنسانية.
في النهاية، علينا أن نتذكر أن الشعور بالغضب، بالحزن، وحتى بالشفقة، هو ما يجعلنا بشرًا.
والتبلّد، مهما بدا أمانًا مؤقتًا، هو ما سيقودنا إلى فقدان قيمنا الأساسية، حتى نصبح مجتمعًا يمر على المآسي بلا أي إحساس، مجتمعًا يعيش بلا قلب.
