ترياق الروح: حين يكون الحب "قبلة الحياة" الأخيرة
بقلم باهر رجب
 |
| "قبلة الحياة |
في زوايا الحياة المعتمة، حيث يغلف اليأس القلوب ويتحول المرء إلى مجرد ظل يتحرك بآلية باردة، تبدو العودة إلى "الحياة" بمفهومها الشغوف ضربا من المستحيل. هناك لحظات تنطفئ فيها الروح رغم أن الجسد لا يزال يتنفس، وهي الحالة التي وصفها الأدباء قديما بالموت السريري للمشاعر. ولكن، في معادلة الوجود الإنساني، ثمة قانون غير مكتوب يقول: "إذا أردت أن تعيد إنسانا إلى الحياة، ضع في طريقه إنسانا يحبه".
سيكولوجية الانطفاء والبعث
الإنسان كائن ذات طبيعة مجتمعية بامتياز. لا يزهر في العزلة ولا ينمو في الجفاف العاطفي. عندما يواجه المرء خيبات متتالية، يبدأ في بناء جدران عازلة حول قلبه كنوع من الحماية الذاتية. هذا الانعزال، رغم أنه يحمي من الألم، إلا أنه يمنع دخول الضوء أيضا.
هنا يأتي دور "المحب" ليس كشخص عابر، بل كقوة دفع مركزية قادرة على اختراق تلك الجدران. إن وجود إنسان يحبك يعني أن هناك "مرآة" ترى فيك ما عجزت أنت عن رؤيته في نفسك. المحب هو من يعيد تعريفك لنفسك، يذكرك بضحكتك التي نسيتها، و بأحلامك التي غطاها الغبار.
هل قرأت هذا
الحب كفعل ترميم
إعادة الإنسان إلى الحياة لا تتطلب معجزات طبية، بل تتطلب "حضورا". فالمحب لا يقدم حلولا سحرية لمشاكل الحياة، بل يقدم "المعية". إن الشعور بأنك "مرئي" ومقدر ومقبول بكل انكساراتك هو الترياق الحقيقي للعدمية.
عندما يوضع في طريقك شخص يحبك، يبدأ مفعول "الرنين العاطفي". فتنتقل طاقة التفاؤل والتمسك بالحياة من قلبه إلى قلبك. الحب في هذه الحالة يعمل كعملية "إحياء" للوظائف المعطلة. الرغبة في المحاولة، القدرة على الحلم، والجرأة على الضعف دون خوف من الحكم أو النبذ.
كيمياء اللقاء القدري
ثمة جمالية خاصة في فكرة "الوضع في الطريق". فهي تشير إلى أن اللقاء قد يكون قدريا، كأن الكون يتآمر لينقذ نفسا من الغرق. هذا اللقاء يغير بوصلة المعنى. فجأة، يصبح للاستيقاظ صباحا غاية، و لتخطيط المستقبل مبرر. الإنسان الذي كان يرى العالم بلون رمادي، يبدأ في تمييز الألوان مجددا بمجرد أن يرى انعكاس بريق عيني من يحبه.
إنه نوع من الاستثمار في الروح. فالمحب لا يستسلم لانطفاء محبوبه، بل يظل ينفخ في رماده حتى يشتعل الجمر من جديد. هذا الإصرار هو الذي يجعل اليائس يشعر بأنه "يستحق" أن يعيش، وهي الكلمة المفتاحية في رحلة العودة من الموت النفسي.
اقرأ أيضا
الخاتمة: مسؤولية الوجود
إن هذه المقولة ليست مجرد عبارة شاعرية، بل هي دعوة لإدراك قوة التأثير البشري. نحن جميعا نمتلك القدرة على أن نكون ذلك "المحيا" لشخص ما. فالحياة ليست مجرد نبض في الشرايين، بل هي إحساس بالانتماء لقلب آخر.
إذا وجدت في طريقك من يحبك بصدق في لحظة ذبولك، فاعلم أنك قد منحت فرصة ثانية للولادة. وإذا رأيت إنسانا يصارع شبح الانطفاء، كن أنت ذلك الحب الذي يعيده إلى صخب الحياة الجميل.