الندم على البوح: بين حكمة الصمت وميزان الابتلاء
حسن غريب
حين يبوح الإنسان بما أثقله من مرارة العيش وضيق الواقع، لا يفعل ذلك طلبًا للشفقة، بل بحثًا عن بعض السكينة.
غير أن الندم الذي يعقب هذا البوح أحيانًا يكشف حقيقة مؤلمة: ليس كل من يصغي أهلًا للسر، ولا كل من سمع الوجع طاهر القلب من الشماتة.
فهناك من يسمع ليواسي، وهناك من يسمع ليقيس نفسه عليك، فيفرح خفيًّا بانكسارك.
وقد نبّه القرآن إلى هذا المعنى حين قال تعالى:
﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[آل عمران: 120]
فهذا الفرح بألم الآخرين علامة مرض في القلوب، لا قوة في النفوس.
وفي هذا السياق، نفهم أن الناس أنفسهم ابتلاء، كما قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾
[الفرقان: 20]
فالفضفضة مع غير الأمين قد تكون امتحانًا للصبر، كما أن الندم عليها امتحان للحكمة.
وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى قيمة الصمت وضبط الكلام، فقال:
«مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
(متفق عليه).
فالسكوت هنا ليس عجزًا، بل اختيار أخلاقي، وحماية للروح من أذى لا يُحتمل.
كما حذّر ﷺ من الشماتة، فقال:
«لا تُظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك»
(رواه الترمذي).
فمن شمت في ابتلاء غيره، فكأنما استدعى البلاء إلى نفسه، لأن سنن الله عادلة لا تحابي أحدًا.
أما الندم على البوح، فلا ينبغي أن يُفهم على أنه خطيئة، بل هو إدراك متأخر لمعنى الحكمة. وقد جاء في الأثر:
«استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»
(رواه الطبراني).
لأن كشف الضعف في غير موضعه قد يفتح أبوابًا من الأذى، لا من النصرة.
وفي المقابل، يعلّمنا القرآن أن الشكوى الأولى يجب أن تكون إلى الله، لا إلى الخلق، كما قال يعقوب عليه السلام:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: 86].
فالله يسمع ولا يشمت، ويعلم ولا يفضح، ويؤخر الفرج لحكمة، لا لقسوة.
ومن ظنّ أن الظلم أو الشماتة يمران بلا حساب، فقد غفل عن وعد الله الحق:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
[إبراهيم: 42].
فكل ساقٍ سيُسقى بما سقى، وكل قلبٍ سيذوق ما زرع، عاجلًا أو آجلًا.
وهكذا، يصبح الصمت بعد التجربة عبادة، والكتمان حكمة، والاختيار الدقيق لمن نبوح له نجاة.
فمن لم يحفظ وجعك، لا يستحق معرفته، ومن لم يتألم لألمك، لا تؤتمن روحه على روحك.
وفي نهاية الطريق، يبقى ميزان الله هو الفيصل:
صدقٌ لا يضيع، ودمعٌ لا يُهمل، ووجعٌ يُجبر، ولو بعد حين.
