ما وراء الرفض الصامت: لماذا لا يكفي أن نكره "فرعون"؟
بقلم: باهر رجب
 |
| الرفض الصامت |
الرفض الصامت في أروقة التاريخ وبين سطور الملاحم الإنسانية، لطالما كان الصراع بين الحق والباطل يختصر في صورتين رمزيتين: "فرعون" بما يمثله من طغيان، وجبروت، و استلاب للحقوق، و"موسى" بما يحمله من رسالة خلاص، وعدالة، وتغيير. لكن المقولة التي بين أيدينا اليوم تكسر حدة هذا الثنائي لتضعنا أمام طرف ثالث، غائب ولكنه حاضر بقوة: "المحايد".
تقول الحكمة: "لا يكفي أن تكون ضد فرعون، بل يجب أن تكون مع موسى". هي دعوة صريحة للانتقال من مربع "الرفض السلبي" إلى مساحة "التأييد الإيجابي"، ومن خانة الكراهية الصامتة للظلم إلى خانة العمل الجاد من أجل العدل.
الرفض الصامت وهم "المنطقة الرمادية"
يعتقد الكثيرون أن النأي بالنفس عن الصراعات الكبرى هو "سلامة"، وأن مجرد كرهك للظلم في قلبك يبرئ ساحتك الأخلاقية. لكن الحقيقة المرة هي أن الحياد في لحظات الحسم ليس فضيلة، بل هو تقصير مغلف بالخوف.
عندما تكتفي بأن تكون "ضد فرعون" دون أن تمد يدك لـ "موسى"، فإنك تساهم -بشكل غير مباشر- في إطالة أمد الطغيان. فالظلم لا يقتات فقط على قوة الظالم، بل يتنفس من خلال صمت الصامتين وتردد المترددين. إن الوقوف في المنتصف، حيث الغبار الكثيف، يجعل منك رقما هامشيا في معادلة التغيير، بينما يحتاج الحق إلى أصوات مسموعة و أقدام ثابتة.
اقرأ هذا
الفرق بين "الرفض الصامت" و "البناء"
الاعتراض على القبح سهل، فالنفس البشرية تنفر بطبعها من القيد والقهر. لكن "الوقوف مع موسى" يتطلب شجاعة من نوع آخر؛ إنها شجاعة بناء البديل.
ضد فرعون: تعني أنك تكره الفساد.
مع موسى: تعني أنك تدعم الصلاح وتشارك في غرس قيمه.
إنها دعوة للانتقال من حالة "الرد الفعل" إلى حالة "الفعل". ففرعون يمثل الوضع البائس، بينما يمثل موسى الطريق نحو المستقبل. ومن يكتفي برفض الواقع دون السعي نحو البديل، يظل عالقا في تيهٍ لا ينتهي.
مسؤولية الانحياز للحق
إن الالتزام بالحق ليس خيارا ترفيهيا، بل هو استحقاق أخلاقي تفرضه علينا إنسانيتنا. في كل زمان، هناك "فرعون" يتلون بشتى الأشكال، وهناك "موسى" يحمل راية الحقيقة. وفي كل مرة، يطرح السؤال: هل ستكتفي بهز رأسك استنكارا في الخفاء؟ أم ستجرؤ على الوقوف بوضوح تحت الشمس؟
إن الحياد هو بمثابة "تصويت صامت" لصالح القوي، وتخلى صريح عن الضعيف الذي يطلب النصرة. فالحق لا يحتاج إلى مشاعرنا بقدر ما يحتاج إلى مواقفنا.
اقرأ أيضا
الرفض الصامت: الاختيار الذي لا مفر منه
في نهاية المطاف، سيذكر التاريخ أولئك الذين صنعوا الفرق، لا أولئك الذين وقفوا على التلال يراقبون المشهد بصمت. إن البقاء ضد الظلم هو "بداية" الأخلاق، لكن الوقوف مع الحق هو "تمامها".
فإذا أردت أن تكون جزءا من حكاية النور، تذكر دائما: لا تكتفى بأن تلعن الظلام الذي يفرضه فرعون، بل كن شعلة في يد موسى.