فجر الانتصار يمحو ظلام الهزيمة الأبدي
قلم:وائل عبد السيد
نداء العروق الثائرة
حين يبدأ الوجع برسم مساراته على الجسد، تنبثق تلك القطرات القرمزية لتقول ما عجزت عنه اللغات. إن الدماء ليست مجرد سائل حيوي يجري في الشرايين، بل هي حبر الوجود الذي يكتب به الإنسان قصة صموده. عندما ينزف المرء، فإنه لا يفقد دماً فحسب، بل يسكب مع كل قطرة جزءاً من تاريخه، وصرخةً مكتومة كانت حبيسة القفص الصدري لسنوات طويلة. هذا اللون الأحمر القاني هو الشهادة الوحيدة على أننا ما زلنا على قيد الحياة، نقاوم العدم، ونواجه الفناء بصدور عارية لا تخشى النصال.
فلسفة الجرح المفتوح
الجرح ليس ثغرة في الجلد، بل هو نافذة تطل منها الروح على حقيقتها المجردة. في لحظة النزيف، يتساوى الجميع؛ تسقط الأقنعة وتذوب الفوارق، ويبقى الإنسان وحيداً في مواجهة هشاشته. تلك القطرات التي تسقط على الأرض ليست هباءً، بل هي قرابين تُقدم في محراب الحرية أو ثمن يُدفع في ضريبة العشق. إن نزيف الإنسان هو المعادل الموضوعي لصراعه مع الزمن؛ فكلما زاد النزف، اتضحت ملامح التضحية، وصار للألم معنى يتجاوز حدود الصراخ. نحن لا ننزف لنموت، بل ننزف لنتطهر من شوائب الضعف التي علقت بنا.
تراتيل الوجع الصامت
في عتمة الليل، حين تهدأ الأصوات وتتكلم الجراح، يصبح لكل قطرة دم صدى يشبه نبض الكون. إن الإنسان الذي ينزف بصمت هو الأقوى، لأنه يحول انكساره إلى قوة كامنة، ويجعل من جرحه مدرسة للصبر. الدماء التي تغادرنا تعيد ترتيب أولوياتنا، تخبرنا أن الحياة قصيرة جداً لنقضيها في الحقد أو التردد. هي رسالة حمراء تخبر القادمين أن هنا مرَّ إنسان، تألم، نزف، لكنه لم ينحنِ. فالنباتات الأكثر اخضراراً هي تلك التي نمت في تربة ارتوت بعرق الجباه ودموع الجراح المفتوحة.
ميثاق الخلاص الأخير
ومع انحباس النزف وتكون الندبة، تبدأ مرحلة جديدة من الوجود. الندوب ليست تشوهاً، بل هي أوسمة شرف تذكرنا بأننا خضنا المعركة وخرجنا منها بدرس لا يُنسى. إن الدماء التي سالت كانت الثمن الضروري لإشراقة "فجر الانتصارات" الذي يمحو ظلام الهزيمة الأبدي. ستبقى هذه المسيرة من النزف والبناء هي جوهر التجربة البشرية؛ حيث يولد الأمل من رحم الألم، وتُبنى القلاع من حطام الانكسارات. فكل من نزف يوماً، صار جزءاً من أسطورة الحياة التي لا تنتهي، وصار دمه ضياءً يهدي الحائرين في دروب التيه.
