📁عاااااااااجل

 



بقلم / أحمد دروبش العربى

قصة قصيرة من مجموعتى رحلة اللاعودة

رنَّ جرس الشقّة بعنفٍ أزعج سكون الليل، فقطع خيط النوم الذي كان أحمد يتشبّث به بعد يومٍ مرهقٍ في المستشفى.
انتزع جسده من الفراش متثاقلاً، يلعن مخترع ذلك الجرس المزعج وكلّ من قرر استعماله في تلك الساعة.
كانت عيناه نصف مغمضتين وهو يتقدّم نحو الباب، وفي رأسه دعاء واحد:
ليت من يطرق الباب يختفي إلى الأبد.

فتح الباب
ولا أحد.
نظر يمينًا ويسارًا.
الدرج فارغ، الممر ساكن، حتى الهواء بدا خائفًا من الحركة.
ثم انتبه لشيء صغير عند قدميه… ظرف أبيض ملقى على الأرض، كأن صاحبه قرع الجرس ثم ذاب في الهواء.

التقط الظرف بلا اهتمام، ودخل إلى شقّته، ثم ألقاه على الطاولة بعصبية.
كان يحتاج إلى النوم أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر، حتى الفضول.
عاد إلى فراشه، وأسند رأسه إلى الوسادة، وحاول أن يغرق في النوم
لكن شيئًا ما كان يوقظه من الداخل.
حركة خفيفة في صدره
سؤال
قلق، والظرف يتمدّد في الظلام كأنه يناديه.

نهض فجأة، التقط الظرف، ومزّق طرفه بأصابع مرتعشة.
بدأ يقرأ:

أتمنى أن تكون بخير يا دكتور أحمد.
لعلك لا تتذكرني، وهذا… في الحقيقة، مؤسف.
فأنا الشخص الذي صنعتَ نجاحك فوق كتفيه.
أظن أن الأسماء بدأت تقفز الآن داخل رأسك
مثلك لا يصعد بلا ثمن.
أنا واحدٌ من الذين دفعتهم لتصعد.
وها أنا قد عدت، وعودتي تعني أني أعلنت كشف حقيقتك
وأخذ ما هو حقي
وما هو حق الآخرين الذين طوقتَ بهم عنقك.

تجمّد.
كلمات الرسالة بدت كأنها تُسحب من قلبه مباشرة.
لم تكن مجرد رسالة… بل كانت مفتاحًا لباب ظل مغلقًا لسنوات.
وبمجرد أن انتهى من القراءة، بدأ الماضي يستيقظ
قاسيًا، واضحًا، بلا رحمة.

مروان – الصديق الذي خانه
ظهر أمامه مروان بابتسامته الهادئة التي لم تتغير
يومها، وقفا معًا أمام لوحة النتائج، وكانت الدرجة التي حصل عليها مشروعهما المشترك تحمل اسمًا واحدًا:
الدكتور أحمد وحيد.
تذكّر صوته الكسير وهو يقول:
أحمد… أنت أخذت جهدي كله
لكن أحمد، بنظرة باردة، قال له:
الحياة لا ترحم الضعفاء يا مروان. كن قويًا المرة القادمة.
اختفى مروان، لكن صدى الغدر بقي.

سامية – القلب الذي كسره
سامية، الممرضة التي كانت تخفّف عن كل من حولها… إلا نفسها.
رآها تبكي في ممر المستشفى يوم توسّلت إليه توقيع الخروج المبكر كي تلحق بأمها المحتضرة:
أمي بين الحياة والموت… أرجوك، لا أريد سوى ساعتين.
فأجابها بفتور:
نحن نعمل هنا يا سامية في مستشفى خاصة… لسنا في جمعية خيرية.
عاد في اليوم التالي ليجدها منكسرة… أمها رحلت، وهي تهمس لنفسها:
كان يمكنني أن أودّعها… كان يمكنه أن يسمح لي بالمغادرة لرؤيتها قبل أن تموت

ياسر – الأب المنكسر
تذكّر ياسر، الرجل الفقير الذي جاء في منتصف الليل يحمل ابنه بين يديه كمن يحمل قلبه المنتزع.
كان يصرخ:
أنقذه يا دكتور… بالله عليك!
لكن أحمد، المتعب، المتضايق، قال بحدة:
اذهبوا لمستشفى أخرى… ليس لدينا مكان هنا، كل الأسرة مشغولة
.

لم يعرف إلا في الصباح أن الطفل مات في الطريق.
قال له أحد زملائه بجملة خفيفة… ثقيلة كالرصاص:
لو قبلت الكشف على الطفل… كان يمكن أن تنقذه ويعيش.

تسارعت الوجوه.
وجوهٌ كثيرة.
ضحايا لا يعرف أسماء بعضهم… لكنه يعرف وجوههم جيدًا.
وفجأة وجد نفسه واقفًا في قاعة مظلمة لا سقف لها.
تحيط به دائرة من الناس
وجوههم بلا ملامح، لكن أصواتهم واضحة كالسكاكين.

تقدّم مروان، وقال:
الآن… هل تتذكرنا؟

قالت سامية، بصوت كريح الشتاء:
لقد هربت من الحقيقة طويلًا يا دكتور أحمد

وأضاف ياسر:
لكن كل هروبٍ ينتهي… عندما يحين الوقت.

ثم قال الجميع بصوت واحد:
ولقد حانت ساعتك.

مدّوا أيديهم نحوه
اقتربوا
حتى سقط أحمد مُنهارًا وسط الدائرة.
صرخ
فاستيقظ.

اليقظة… والوهم
فتح عينيه بسرعة.
كان في سريره.
الغرفة هادئة.
الظرف ما زال مُلقى على الطاولة… لم يُفتح بعد.
همس لنفسه:
كل هذا… كان حلمًا؟

لكنه كان يعرف داخل نفسه أن الأشخاص الذين زاره في حلمه كانوا أشخاصًا حقيقيين.
نهض، اغتسل سريعًا، وارتدى ملابسه.
وقبل أن يغادر، أمسك الظرف بيد مرتعشة
تردّد لحظة
ثم وضعه في جيبه ليقرأه في المستشفى.

خرج إلى المصعد.
لم يضغط الزر بعد… ومع ذلك، انفتح الباب وحده.
تردّد ثانية.
الظرف في جيبه بدا أثقل من وزنه.
تقدّم خطوة
وحين دخل، انهار العالم من تحته.
سقط
مسرعًا
والظلام يبتلعه.
وبين ضجيج السقوط، تناهت إليه أصوات يعرفها
أصوات من ماضيه… من حلمه… من ذنوبه:
أصوات كانت تصيح وهي تضحك في شماته:
قد حانت ساعتك.

ثم لم يعد هناك شيء.

تعليقات