📁عاااااااااجل




 بقلم / أحمد درويش العربى

لماذا تجلس هنا وحدك؟
صوت خافت، سؤال بدا كأنه يخرج من الزوايا المظلمة للغرفة.

رفع ممدوح رأسه ونظر حوله بهدوء.

 قال إنه ليس وحده، بل مع أقرب الناس إليه.
لكن الغرفة كانت فارغة تمامًا، لا شيء فيها سوى الكرسي، المرآة، والصمت الذي يملأ المكان.

الصوت عاد يؤكد أنه لا يرى أحدًا سواه، وحده جالسًا على الكرسي أمام المرآة.
ابتسم ممدوح ابتسامة غريبة، وقال إن ما يراه الآخر ليس الحقيقة، فهنا كثيرون.

نهض من كرسيه، دار في أرجاء الغرفة، التفت يمينًا ويسارًا، ثم توقف فجأة في حيرة.
لم يجد أحدًا سوى ذلك الصوت.
الصوت صحح له الفكرة، لسنا اثنين بل أكثر.

في غرفة الكنترول بمستشفى الفرقان النفسي، كانت شاشات المراقبة تنقل المشهد بصمت. 

حديث متكرر مع النفس، صراع داخلي لا يراه أحد سواه.

الأستاذ الدكتور معتز الدمنهوري، أستاذ جامعي بكلية العلوم، أصبح الآن أحد نزلاء مستشفى الفرقان النفسي.

وهوغارق في عالمه الخاص، حيث تختلط الحقيقة بالخيال، والوعي بالانفصال.

في جناح الزرقاء، حيث الجدران مطلية بلون مهدئ، جلس ممدوح على سريره يحدق في سقف الغرفة.
دخلت الدكتورة رقية، الطبيبة النفسية، تحمل دفتر ملاحظاتها وابتسامة متحفظة.

ألقت التحية وسألته عن حاله.
أجابها أنه كما هو، لم يتغير شيء.

حاولت أن تعيده إلى الواقع، إلى حياته خارج المستشفى.
سألها بسخرية عن أي حياة تقصد، فالحياة في نظره أصبحت هنا، بين من يفهمه ومن لا يراه.

شعرت الدكتورة رقية بشيء يوقف محاولاتها.

شيء في عينيه كان كافيًا ليجعلها تصمت.
سألته عمّا يراه في المرآة الموجودة في زاوية الغرفة.

ابتسم وقال إنه يرى من يحبه، ومن يرافقه، ويرى ذاته الحقيقية.

بعد دقائق، بدأ الواقع يبتعد عنه أكثر.
سار في ممرات داخل عقله، شوارع مظلمة، أصدقاء لا وجود لهم إلا في خياله، ضحكات قديمة تعود من ماضٍ رفض أن يختفي.

تسللت إلى ذاكرته صورة ابنته الصغيرة التي فقدها، ثم صورة زوجته التي رحلت عن عالمه.
لكن الألم لم يكن حاضرًا، تحولت الذكريات إلى مشاهد عابرة، يمكنه أن يبتسم لها أو يتجاهلها بسهولة.

عاد صوته الداخلي يتحاور معه.
سأله إن كان يريد العودة.
تساءل هو بدوره عن معنى العودة.

الإجابة كانت دائمًا واحدة.
الراحة هنا، في عالمه الخاص، حيث كل شيء يسير وفق رغبته، بلا قيود، بلا أحكام، بلا ألم حقيقي.

جلس أمام المرآة من جديد، يراقب انعكاسه.
تساءل إن كان هو الوحيد هنا.

لم يجب، بل رفع يده محييًا الصورة أمامه، صورة لا يفهمها أحد سواه.

في غرفة الكنترول، واصل الأطباء تدوين ملاحظاتهم بصمت.
إحدى الممرضات علقت بأن محاولات التواصل معه مستمرة، لكنه يرفض الاندماج مع الواقع، ويبدو راضيًا في عالمه الخاص.

الدكتورة رقية شعرت بقلق ودهشة معًا.
كانت تعلم أن الفصام النفسي غالبًا ما يكون مأساة، لكن في حالة ممدوح كان الأمر مختلفًا.
كان هادئًا، وربما أكثر سلامًا مما كان عليه في حياته السابقة.

مع حلول المساء، جلس ممدوح على سريره يتأمل الضوء المتسلل من نافذة الغرفة.
اعترف بأنهم حاولوا كثيرًا، لكنه اختار البقاء.

تحدث مع ذاته، أو مع شخصيته الأخرى، ولم يعد هناك فرق واضح بين الاثنين.
قال إن الواقع مؤلم، والناس معقدون، والذكريات ثقيلة.
أما هنا، فيمكنه أن يكون كما يريد.

ابتسمت عيناه بطمأنينة غريبة.
أعلن أنه لن يعود، ليس الآن.

جلست الدكتورة رقية على الكرسي المقابل له في صمت.
لم يكن هناك غضب ولا حزن، فقط قبول هادئ لفكرة أن بعض العقول تجد السلام في الانفصال عن الواقع، وأن الفصام أحيانًا يكون ملاذًا شخصيًا.

في الأيام التالية، استمر ممدوح في عالمه.
يضحك مع أرواح خيالية، يتحدث مع أشخاص لا وجود لهم إلا داخله، لكنه كان سعيدًا.
لم يعد بحاجة إلى الحقائق أو قسوة العالم الخارجي.

في غرفة الكنترول، دوّن الأطباء ملاحظاتهم:
رضا المريض عن وضعه النفسي الحالي رغم انفصاله عن الواقع.
انسجام داخلي واضح مع عالمه الخيالي دون مظاهر قلق أو اكتئاب.

جلس ممدوح أمام المرآة مرة أخرى، نظر إلى نفسه وابتسم ابتسامة لم يعرفها من قبل.
رحب بنفسه في عالمه الخاص.

العالم الخارجي استمر في حركته، لكنه لم يعد يعني له شيئًا.
هنا، في هذا المكان، التقت الحقيقة بالخيال، وأصبح الانفصال هو السلام الذي لم يجده في الواقع.

هنا يمكنه لقاء من غادروا حياته السابقة ولم يعودا متواجدين بها.

هنا الهروب صار يحي معنى العودة .

والعودة صارت تعنى حقيقة المغادرة 

تعليقات