![]() |
| الوقت لانتظار |
بقلم: وائل عبدالسيد
في مديح المسافة: فلسفة الوقوف على حافة الوقت الانتظار ليس مجرد وقت ضائع في رزنامة الأيام، بل هو "احتراق صامت" لا يرى دخانه أحد. هو تلك المساحة المنسية بين شهيق الأمل وزفير اليأس، حيث يتوقف الزمن عن كونه أرقاماً، ليصبح ثقلاً جاثماً على صدورنا. حين ننتظر، نحن لا نراقب الساعة، بل نراقب أنفسنا وهي تتآكل ببطء على أرصفة الترقب.
سجن العقارب الميتة
في ردهات الانتظار، تتحول الثواني إلى وحوش صغيرة تنهش السكون. تبدو عقارب الساعة وكأنها أصيبت بالشلل، تتقدم ببطء يثير الجنون، وكأنها تتلذذ بتمديد لحظات القلق. في هذه الحالة، ينفصل الإنسان عن محيطه؛ يجلس وسط الزحام ببدنه، لكن روحه هائمة في ممرات مجهولة، تطرق أبواب الغيب، وتبحث عن إشارة أو نبأ أو صوت يكسر حدة هذا الصمت المطبق. هذا هو "الغياب الحاضر"، حيث تفقد الأشياء بريقها، ويصبح العالم كله مجرد خلفية باهتة للمشهد الوحيد الذي ننتظره.
حوار مع المقاعد الخالية
الانتظار يعيد صياغة علاقتنا بالأشياء من حولنا. تصبح الجدران مرايا تعكس هواجسنا، ويصبح فنجان القهوة البارد رفيقاً في رحلة التساؤلات التي لا تنتهي: "متى؟" و"لماذا؟".
نحن ننتظر لأننا نؤمن بأن هناك قطعة ناقصة في أحجية حياتنا، وأن اكتمالنا مرهون بوصول ذلك الغائب أو تحقق تلك الأمنية. في هذه المرحلة، نتحول إلى فلاسفة رغماً عنا؛ نحلل الكلمات القديمة، ونقرأ ما بين السطور في الرسائل المنسية، محاولين استنباط أمل ضئيل يغذي صمودنا لليوم التالي.
الانتظار كفعل صمود
لكن، ورغم المرارة، يبقى الانتظار هو الاختبار الأقصى لمعدن الروح. هو التمرين اليومي على "الإيمان" بما لا نراه. فلو كان الوصول سهلاً، لما كان للقاء تلك النشوة التي تشبه الولادة من جديد. الانتظار هو الذي يمنح للأشياء قيمتها الحقيقية؛ فالعطش هو الذي يصنع قدسية الماء، والليل الطويل هو الذي يمنح الفجر هيبته. إن الضريبة التي ندفعها من أعمارنا وقلقنا هي التي تجعل لحظة "الوصول" نصراً شخصياً عظيماً.
خاتمة: عبور الجسر
في نهاية المطاف، كلنا عالقون في محطة انتظار ما. المهم ألا نتحول أثناء انتظارنا إلى تماثيل صماء. علينا أن نتعلم كيف نزرع في رصيف الانتظار ورداً، وكيف نكتب على جدران الصمت قصائد، لكي لا نصل إلى لحظة اللقاء وقد جفت فينا منابع الحياة. فالانتظار فن، ومن يتقنه يدرك أن ما قُدّر له سيأتيه ولو كان خلف سبعة بحور، وأن أجمل الأشياء هي تلك التي تأتي بعد أن نكاد نفقد الثقة في مجيئها.
