فصاحة الصمت: عندما تتحدث الأرواح لغة لا تعرف الحروف
بقلم باهر رجب
 |
| بلاغة الصمت |
بلاغة الصمت لطالما اعتبرنا الكلمات هي الجسر الوحيد الذي يربط بين ضفتين من البشر، و ظللنا لقرون نقدس "البيان" والقدرة على صياغة المشاعر في قوالب لغوية رصينة. لكن الصورة التي بين أيدينا اليوم تكسر هذا العرف التقليدي، لتمجد فلسفة أخرى أعمق وأكثر تعقيدا: فلسفة الصمت.
"تعجبني النظرية التي تقول إن الصمت بين روحين يمكنه أن يقول أكثر من ألف محادثة، لأن بعض الروابط تتحدث بالمشاعر، لا بالكلمات". هذا النص ليس مجرد عبارة أدبية عابرة، بل هو رصد لحالة إنسانية تبلغ فيها العلاقة ذروة نضجها.
بلاغة الصمت ليس فراغا.. بل هو امتلاء
في العلاقات العادية، يمثل الصمت "فجوة" محرجة يحاول الجميع ردمها بالثرثرة أو الأحاديث الجانبية خوفا من انكشاف الفراغ. أما في الروابط الروحية العميقة، يتحول الصمت من "عدم" إلى "كيان".
عندما يصل شخصان إلى مرحلة من التناغم تتيح لهما الجلوس لساعات دون نبس ببنت شفة، دون أن يشعرا بالقلق أو الحاجة للتبرير، فهذا يعني أن الأرواح قد بدأت في عملية "بث واستقبال" خارج نطاق الترددات الصوتية. إنه صمت ممتلئ بالثقة، مشحون بالطمأنينة، و مغلف بوعي مشترك لا يحتاج لمترجم.
اقرأ أيضا
قصور اللغة أمام فيض المشاعر
لماذا يتفوق الصمت أحيانا على ألف محادثة؟ الإجابة تكمن في محدودية القواميس.
الكلمات قوالب جاهزة: مهما بلغت لغتنا من ثراء، تظل الكلمة "قالبا" يحاول تأطير شعور متدفق، وغالبا ما يفشل في نقل حرارته الحقيقية.
المشاعر طاقة سائلة: الحب، الحزن العميق، الانبهار، والسكينة؛ كلها مشاعر تتجاوز سعة الحروف.
لغة العيون والحضور: في الصمت، تتحدث لغة الجسد، نظرة العين، وتناغم الأنفاس. هذه "المحادثات الصامتة" تنقل الرسائل بصدق لا يعرف التزييف الذي قد تقع فيه الكلمات المنمقة.
الروابط التي تتحدث بالمشاعر
"
التخاطر الوجداني". هناك علاقات إنسانية (سواء كانت صداقة، حب، أو قرابة روحية) تبنى على ترددات خاصة. في هذه العلاقات، يصبح الصمت هو المختبر الحقيقي لقوة الرابطة.
عندما يكون "الوجود" بحد ذاته كافيا، تسقط الحاجة للشرح. فالشرح يطلب من الغرباء أو من لا يفهموننا جيدا، أما الأرواح المتآلفة، فهي تقرأ ما وراء السكون، وتسمع ضجيج الحنين أو ترانيم السعادة في أبهى صورها الصامتة.
اقرأ هذا
الخاتمة: دعوة للإنصات إلى السكون
في عالم يضج بالضوضاء، و بالرغبة الملحة في "الظهور" و"القول" و"التعبير" المستمر عبر منصات التواصل وغيرها، يأتي هذا النص ليذكرنا بجمال الانكفاء الروحي. إن القدرة على الصمت مع شخص آخر هي أرقى درجات الألفة، وهي الشهادة الحقيقية على أن الرابطة قد تجاوزت المادة لتستقر في رحاب الروح.
إننا لا نصمت لأننا لا نملك ما نقوله، بل نصمت لأن ما نشعر به أكبر بكثير من أن تحمله الكلمات.