بقلم / أحمد درويش العربى
حين تُنشَر الكلمة—على
اختلاف ألوانها وتنوّع أشكالها؛ أدبيةً كانت أم روائية، قصصيةً أو سردية، شعريةً
أو علمية، وعظيةً أو فكرية—يُطرح سؤال جوهري لا مهرب منه:
ما الذي يدفع الكاتب إلى
بذل جهده، واستنزاف روحه، ثم السعي إلى نشر كلمته؟
قد تتزاحم الأذهان
بإجاباتٍ كثيرة، وقد يظنّ كلُّ واحدٍ منا أنه أمسك بالحقيقة الكاملة، غير أنني
أرى—وأجزم—أن معظم تلك الإجابات، على وجاهتها، لن تنال الدرجة النهائية من الصواب.
ثمّة إجابة واحدة فقط
تستحق أن تُتوَّج بالحقيقة الكاملة…
لكن قبل أن نصل إليها،
فلنبحر قليلًا بين الإجابات الأخرى، ولننظر:
أيُّها أقرب إلى الصواب المطلق؟
الإجابة المثالية – كما
يراها كثيرون:
أن الكلمة حاملة لرسالة،
وأن الكاتب يسعى من خلالها إلى إيصال هذه الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء.
إجابات أخرى شائعة:
الكلمة غاية في ذاتها،
لا يشترط أن تحمل رسالة، يكفي وجودها.
الكلمة قيمة مضافة
لصاحبها، وعنوانٌ لثقافته وعمق تحصيله المعرفي.
الكلمة وسيلة لتفريغ
الألم، وتخليص النفس من تراكم الضغوط، فهي شكل من أشكال العلاج.
الكلمة تأريخ لما كان،
وتصويب لما هو قائم، ونصح لما هو قادم.
الكلمة مدح وذم، تُجلب بها
المصالح، وتُنال بها المناصب، وقد تُقطع بها الرؤوس.
الكلمة سلعة؛ تُباع
فتُغني، وتُشترى فتُفقر.
ولو استرسلنا في تعداد
مقاصد الكلمة، لما بلغنا شاطئًا، ولما أوقفنا حاجز، فمجالاتها أوسع من أن تُحاط.
لكن…
أقول:
الكلمة—في أصلها
الأعلى—سبيلٌ إلى معرفة الخالق أولًا، ومعرفة مراده ثانيًا، وكسب جنته ثالثًا،
والنجاة من ناره رابعًا.
الكلمة بدأت حين قال
الله للقلم: )اكتب( .
والكلمة أمانة إلهية،
ائتمن الله عليها رسله وأنبياءه، ليهتدي بها الخلق إليه، فكانت:
الصحف، والزبور،
والتوراة، والإنجيل، والقرآن.
هي ميراثٌ عظيم، توارثته
البشرية كابرًا عن كابر،
من الله—وهو الملك—إلى
الأنبياء والرسل—وهم المعصومون—ثم إلى خاصة البشر، أولئك الذين حملوا أمانة
الكلمة.
وهنا تكون المفارقة
الكبرى:
فحامل الكلمة…
إمّا أن يسمو بها، فيكون
أعلى منزلة من الملائكة،
وإمّا أن يبتذلها،
فينحدر بها إلى ما هو أخس من الشياطين.
لذلك…
يا صاحب الكلمة،
لا ترضَ لنفسك إلا
الأعالي،
فما الكلمة إلا ميزان،
إمّا أن يرفعك…
وإمّا أن يهوي بك حيث لا
قرار.
