📁عاااااااااجل

 

بقلم /  احمد درويش العربى

قصة فصيرة من مجموعتى القصصية الهروب

أشعر أنني أتآكل من الداخل.
ليس جسدي، بل شيء أعمق؛ أظنه روحي، أو ربما مجرد بقايا ما كنت عليه.

حُضوري صار أقل.
كل كلمة أقولها تهبط بلا صدى، وكل نظرة أرسلها لا تصل.
حتى رغباتي، عندما تتوفر، أقوم بها بلا إحساس، كأن جسدي آلة تكرر حركاتها، بلا حرارة، بلا فائدة.

في المكتب، كان الجميع يتحدثون عن شيء ما، ضحكاتهم تتشابك، وأصواتهم تتداخل…
وأنا، أكنت هناك أم كنت غائبًا؟ لم أعد أعرف.
أرى وجوههم، لكنني لم أستطع أن ألمسها أو أستشعرها.
كانوا يبتسمون ويخاطبونني باسمي، لكن الهواء نفسه يمرّ عبري دون أن يلمسني.

في الطريق إلى المنزل، تلاشت الألوان من المدينة… أو ربما من عيني فقط.
الناس يتحركون حولي، لكنهم ظلال تتشوه عند حوافها.
شعرت أن وجودي أصبح هلاميًا، بلا ثقل، بلا رائحة، بلا معنى.

لم أكن أعرف متى بدأ هذا.
ربما منذ سنوات، أو ربما منذ صباح اليوم.
لكن الفرق الوحيد هو أنني أصبحت ألاحظه الآن.
كل شيء حولي يواصل الوجود، وكل شيء بداخلي يتبخر.

عند دخولي المنزل، حاولت أن أتحرك كالمعتاد:
إعداد العشاء، الرد على الهاتف، فتح البريد.
كل فعل يمر بي كما لو كان يمر عبر زجاج شفاف:
موجود، لكنه لا ينتمي إليّ.

في مساء آخر، جلست على الأريكة، وحاولت قراءة كتاب كنت أعشقه.
لم أستطع.
الكلمات تفر من بين أصابعي، والمعاني تتلاشى.
شعرت بالخيبة والاغتراب.
حتى الموسيقى التي أحببتها أصبحت مجرد أصوات مفرغة.

هكذا كانت الأيام:
نسخ متكررة من الفقد، من الانطفاء الداخلي.
كنت أرى الآخرين وأسمعهم، وأستطيع حتى لمسهم أحيانًا، لكن تأثيري عليهم أصبح ضبابيًا.

كانت صديقتي سارة تحاول التحدث معي عن أمر مهم، لكنها توقفت فجأة، نظرت إليّ نظرة غريبة، ثم قالت:
 أنت… غريب اليوم… كأنك موجود ولكنك غير موجود.

ألمتني كلماتها أكثر مما توقعت.
لم تكن نقدًا، بل وصفًا حقيقيًا.
شعرت بالفراغ يسحبني من الداخل.

حتى أختي الصغيرة، التي كانت دائمًا تبحث عني للعب، لم تعد تتحدث إليّ إلا بالكاد.
صوتها يمرّ عبري كما لو كنت شفافًا.

في تلك الليلة، جلست على الشرفة.
المدينة تحيط بي بضوضائها المعتادة:
السيارات، أصوات البشر، أضواء الشوارع.
لكن كل شيء بدا بعيدًا، كما لو كنت أنظر إلى عالم آخر من وراء زجاج سميك.
حاولت الصراخ، لكن صوتي لم يصل… حتى أنا لم أسمعه.

الحدث الذي فجّر داخلي كل شيء كان صغيرًا، لكنه كافٍ:
كان صديقي محمد قد جاء لزيارتي.
جلسنا في الصالون، يحاول المزاح كالعادة.
كنت أبتسم وأضحك قليلًا، لكنه فجأة صمت، ونظر إليّ بحدة:
 هل أنت هنا حقًا؟ أم أنني أتحدث مع فراغ؟

تجمدت.
كانت كلماته مثل مرايا تتحطم داخلي.
 محمد… أنا…
لم أجد كلمات مناسبة.
كل ما شعرت به هو الثقب الكبير الذي أصبح داخلي، ذلك الانطفاء المستمر الذي لا يمكنني تجاهله.

نظر إليّ بعينين مليئتين بالحيرة والأسى، ثم قال بصوت منخفض:
 لقد فقدت نفسك… ولم يبق لك شيء.

انسحبت إلى غرفتي، وأغلقت الباب خلفي، وجلست على الأرض.
شعرت بالهدم الداخلي.
كل شيء بدا بلا معنى، حتى لحظة الحياة نفسها أصبحت مجرد ظل على جدار.

شعرت بالغضب، لكن الغضب لم يكن موجّهًا للعالم، بل لنفسي…
لنفسي التي تسمح لكل ثانية أن تنسحب منها بلا مقاومة.

في الصباح التالي، قررت الخروج.
لم أعد أستطيع البقاء داخل هذا الهلام الذي أصبح داخلي.
كان المشي في الشوارع تجربة غريبة.
الناس حولي يبتسمون ويتحدثون ويضحكون، لكنهم لم يلمسوا وجودي.
كان جسدي يتحرك بين البشر بلا وزن.
شعرت أن كل خطوة تأخذني بعيدًا عن ذاتي، وأن كل نظرة من الآخرين تؤكد اختفائي.

وصلت إلى مقهى صغير، وجلست وحدي أراقب الحشود.
فجأة، اقتربت امرأة مسنّة وجلست أمامي.
لم أعرفها، لكنها نظرت إليّ مباشرة وقالت:
 أرى أنك تذوب… هل تعرف ما يحدث لك؟

تسمرت.
لم أستطع الكلام.
كانت نظراتها مركزة وقوية، أكثر من أي شيء شعرت به منذ أسابيع.
شعرت بالحرج والخوف، لكنها كانت الحقيقة التي لم أجرؤ على مواجهتها:
أنني كنت فعلًا أفقد نفسي.

عاد بي هذا اللقاء إلى المنزل.
جلست على الأرض، وأسندت رأسي إلى الحائط.
لم أعد أتحرك، لم أعد أحاول.
شعرت أن الهلام أصبح أكثر كثافةً داخلي.
صار شعوري بالذات مجرد فكرة باهتة، مجرد صدى لأيامي الماضية.

ثم حدث الانفجار الداخلي.

رنّ الهاتف.
رفعته بيد مرتجفة.
كان محمد.
 هل أنت بخير؟
سأل.

لم أستطع الإجابة.
شعرت بغضب هائل، شعور لم أشعر به منذ زمن بعيد.
غضب على نفسي، على كل ثانية فقدتها، على كل كلمة لم تُنطق، على كل تأثير لم يصل.

صرخت.
صرخت بصوت داخلي مخنوق، حتى شعرت أن الحجرة نفسها تهتز من شدة الصرخة.
لم يكن صراخًا موجّهًا لأحد، بل صرخة لنفسي وللعالم معًا.

في تلك اللحظة، أدركت شيئًا:
حتى إذا اختفى تأثيري عن الآخرين، لا يزال لي تأثير على نفسي.
حتى لو أصبح وجودي هلاميًا، ما زلت أستطيع أن أشعر، أن أصرخ، أن أرفض الاختفاء الكامل.

جلست ساكنًا، أشعر بأن صراعًا داخليًا جديدًا قد بدأ:
الصراع بين الانطفاء الكامل وإعادة اكتشاف الشرارة الداخلية.
لم تكن الإجابات واضحة، ولم تكن الطريق سهلة، لكنها كانت بداية شيء جديد.

للمرة الأولى منذ أسابيع، شعرت ببصيص من الحرارة في داخلي.
لم يكن الكثير، لكنه موجود.
كانت لحظة صغيرة، لكنها كافية لتذكير نفسي بأن وجودي ليس مجرد فراغ،
وأن كل لحظة شعور، مهما كانت هلامية، فهي ما زالت جزءًا مني.

 

تعليقات