بقلم / أحمد درويش العربى
من مجموعتى القصصية صدى الارواح
أعلم أنكِ بئرُ أسراري…
أعلم أنكِ لن تنطقي بكلمةٍ مما نطقتُ به…
ولن تنقلي همسةً مما لامست أذنيكِ.
لهذا جئتُ.
جئتُ أضع رأسي بين يديكِ…
وأُسقط عن صدري هذا الحمل الذي عاش فوقه سنوات طويلة .
نعم…
أنا من قتلتُهم.
لا تتعجلي…
ستعرفين كل شيء.
أنتِ فقط…ستعرفين كل شئ.
فقط... استمعي.
الأولى
كنتُ أراها كل صباح.
تمر من أمام شرفتي…
فأشعر أن قلبي لا يخفق… بل يركض.
كانت تنظر إلى الأعلى أحيانًا.
وأقسم أن عينيها كانتا تتوقفان عندي.
أتسألين كيف عرفتُ أنها أحبّتني؟
ضحكت.
نعم ضحكت مرةً واحدة فقط…
ضحكة قصيرة… لكنها كانت بالنسبة لى إعلان حب.
في ذلك اليوم… قررت أن أكون شجاعًا.
نزلتُ إليها.
أوقفتُها.
قلتُ ...كل شيء.
نظرت إليّ… كأنني غريب.
قالت :
إنا لا أعرفك.
ثم أن زفافى نهاية الأسبوع.
كاذبة.
لمن كانت تلك الضحكة إذن؟
للريح؟
الخيانة جريمة.
والجرائم… لها عقاب.
وقد عاقبتُها.
نعم قتلتها نظير خيانتها.
صمت
تتسألين :
كيف قتلتها؟
لا يهم كيف.
الاهم أنها لم تعد موجودة .
المهم… أنها لم تضحك بعدها أبدًا.
الثانية
زميلتي في العمل.
كانت عادية…
حتى صنعتُ منها استثناء.
أنجزتُ مهامها.
دعمتُ قراراتها.
دفعتُها للأمام حتى جلست على كرسي الإدارة.
جلستْ… وجلستُ أنا أمامها.
تصدر الأوامر.
تبتسم لي كأي موظف.
تحملتُ…
لأن الحب تضحية.
وفي لحظة صدق… أخبرتها.
ضحكت.
لكن هذه المرة… لم تكن ضحكة حب.
كانت سخرية.
رأيتُ قلبي يتحول إلى نكتة.
والنكات… تُنسى سريعًا.
كما نُسيت هي.
الثالثة
الثالثة…أها من الثالثة
كانت مختلفة.
لم تكن جميلة فقط…
كانت تشبهني.
تفهمني قبل أن أتكلم.
تكمل جُملي.
تجلس هناك… في المقعد المقابل.
نعم… حيث تنظرين الآن.
كنا نتحدث طويلًا.
كانت تقول:
"أنا هنا لأكملك."
ولأول مرة… شعرتُ أنني لست وحدي.
مددتُ يدي إليها.
اختفت.
كأنها دخان.
بحثتُ عنها في كل مكان.
سألتُ الجميع.
قالوا:
"لا توجد امرأة هنا."
يقولون إنني أهذي أحيانًا.
لكنني لم أكن أهذي.
كنتُ أراها.
كنتُ ألمس ظلها.
همس
وحين خذلتني…
كان عليّ أن أُنهي الأمر.
أتعلمين؟
أحيانًا أتساءل…
هل كنتُ القاتل؟
أم كنتُ القتيل؟
هل هنّ خائنات؟
أم أن عقلي هو الذي خانني؟
صوت باب يُفتح فجأة
الممرضة (بعيد قليلًا):
دكتور… إنه يتحدث إلى الصورة مجددًا.
الطبيب بهدوء:
حضّروا الجرعة.
الممرضة:
يبدو أنه في منتصف اعتراف.
خطوات تقترب
الطبيب:
كريم…
هل كنتَ تتحدث إلى عايدة؟
أم ليلى؟
أم تلك التي بلا اسم؟
المريض (همس مرتجف):
لا…
كنتُ أحكي لها…
وهي كانت تستمع…
الطبيب:
كريم…
لا توجد صورة.
إنه إطار مكسور… منذ خمس سنوات طويلة.
المريض، بصوت طفل يبتسم:
بل هذه سماح…
الطبيب: سماح من ؟
فتاتي الجديدة.
صوت حقنة… نفس عميق… صمت تام
أنتهت
