📁عاااااااااجل

التعب الذي لا يُري

بقلم ماريان عماد يوسف 

أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك 



في زحام الايام

 هناك نوع من التعب لا يترك أثرًا على الجسد، ولا يظهر في ملامح الوجه بوضوح، لكنه يسكن الداخل بهدوء. تعب لا يشتكي، ولا يطلب إجازة، ولا يلفت الانتباه… التعب الصامت.

نراه في الأشخاص الذين يبتسمون كثيرًا، ويؤدون أدوارهم كاملة: أب يعمل بلا توقف، أم تُدير بيتها وكأنها لا تُرهق، موظف لا يتأخر، وطالب لا يشتكي. الجميع يراهم “بخير”، بينما الحقيقة أن داخلهم امتلأ أكثر مما يحتمل.

التعب الصامت

التعب الصامت لا يأتي من كثرة العمل فقط، بل من كثرة التحمل. من كبت المشاعر، وتأجيل النفس، وتقديم الآخرين على الذات لدرجة النسيان. يأتي من الجُمل التي نقولها مجاملة: «مش مهم»، «عدّت»، «أنا كويس»، بينما شيء في الداخل لم يعد كذلك.

دور المجتمع

المجتمع، دون قصد، يساهم في هذا النوع من الإرهاق. نحن نُكافئ الصبر الزائد، ونمدح التحمّل، ونعتبر الشكوى ضعفًا، فنخلق أجيالًا تجيد الصمت أكثر مما تجيد التعبير. نُعلّم الناس كيف يستمرون، لكننا ننسى أن نعلّمهم كيف يتوقفون قليلًا ليلتقطوا أنفاسهم.

المشكلة أن التعب حين لا يُقال، لا يختفي، بل يتحول. قد يظهر في صورة قلق، أو عصبية، أو فتور، أو فقدان شغف، أو حتى آلام جسدية بلا سبب طبي واضح. الجسد أحيانًا يتكلم نيابةً عن النفس حين تُمنع من الكلام.

الحلول المقترحة

نحن لا نحتاج دائمًا إلى حلول كبيرة، ولا نصائح جاهزة. أحيانًا كل ما نحتاجه هو مساحة آمنة، سؤال صادق، أو شخص لا يُقاطع الحكاية ولا يقلل من الوجع. نحتاج أن نسمح لأنفسنا أن نقول: «أنا مُرهق»، دون خوف من الأحكام.

الاعتراف بالتعب ليس ضعفًا، بل وعي. والاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل ضرورة. فالحياة لا تُقاس بقدرتنا على التحمل فقط، بل بقدرتنا على أن نعيش ونحن بخير… من الداخل قبل الخارج.

تعليقات