الهرج يطرق الأبواب...حين يصبح الدم أرخص من الكلام
كتب/عماد سمير
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأخبار الداميه على الشاشات، يعود إلى الأذهان حديث نبوي شريف طالما قرأناه في كتب السنة، لكنه اليوم يبدو أكثر حضورًا وواقعية من أي وقت مضى.
قال النبي ﷺ:
«لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج».
قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟
قال: «القتل».
الحديث أخرجه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيح البخاري**، كما ورد بمعناه عند الإمام مسلم بن الحجاج في صحيح مسلم**.
الهرج… ليس مجرد قتل
الهرج في اللغة يعني الاختلاط والاضطراب، لكن النبي ﷺ فسّره تفسيرًا صريحًا لا يحتمل التأويل: القتل.
ليس القتل في ساحة حرب واضحة المعالم فقط، بل القتل الذي ينتشر حتى يصبح مشهدًا مألوفًا، وخبرًا عابرًا، ورقمًا يُضاف إلى الإحصائيات.
في زمن الهرج:
يُقتل الإنسان لأسباب تافهة.
تشتعل الفتن بكلمة.
يتحول الخلاف إلى دم.
وتضيع قيمة النفس البشرية.
بل جاء في بعض الروايات أن القاتل لا يدري لِمَ قتل، والمقتول لا يدري لِمَ قُتل… وهي صورة مرعبة لاختلال البوصلة الأخلاقية.
بين النص والواقع
حين نتأمل ما يجري حولنا من:
صراعات مسلحة
جرائم فردية متزايدة
عنف أسري ومجتمعي
خطاب كراهية يؤجج النفوس
ندرك أن الحديث لم يكن مجرد تحذير عابر، بل تشخيصًا دقيقًا لمرحلة من التاريخ الإنساني.
لكن الأهم من رصد العلامة هو فهم الرسالة:
النص النبوي لا يدفعنا إلى اليأس، بل إلى الاستعداد والثبات.
ماذا نفعل في زمن الفتن؟
أرشدنا النبي ﷺ إلى منهج واضح، فقال:
«العبادة في الهرج كهجرة إليّ» – رواه الإمام مسلم بن الحجاج
أي أن الثبات على الطاعة في زمن الاضطراب يعادل أجر الهجرة، لأن الحفاظ على الدين وسط الفوضى يحتاج إلى عزيمة مضاعفة.
ومن أهم ما نحتاجه اليوم:
ضبط اللسان قبل اليد
إطفاء نار الخلاف لا تأجيجها
رفض التحريض والعنف
تربية الأبناء على حرمة الدم
نشر ثقافة الرحمة بدل ثقافة الانتقام
ليست دعوة للخوف… بل للوعي
كثرة الهرج من علامات الساعة الصغرى، نعم.
لكنها أيضًا اختبار للإيمان، وفرصة للتميّز الأخلاقي، وميدان للصبر.
فالساعة آتية لا ريب فيها، لكن النجاة ليست بالانشغال بموعدها، بل بالاستعداد لها.
وفي زمن يعلو فيه صوت الرصاص… يبقى صوت الضمير هو النجاة الوحيدة.
