📁عاااااااااجل

الرماديون: هل الحياد فضيلة أم هروب من المسؤولية؟

الرماديون: حين يكون الحياد قناعا للخوف و طعنة في ظهر الثقة

بقلم باهر رجب

الرماديون
الرماديون


الرماديون في مسرح الحياة الكبير، حيث تتصارع الألوان و تتصادم الإرادات، يبرز صنف من البشر يختارون "المنطقة الوسطى" موطنا دائما. يرتدون عباءة الحكمة المزيفة، و يتدثرون بالصمت بدعوى "الموضوعية"، لكن الحقيقة الكامنة وراء هذا الهدوء المصطنع غالبا ما تكون أشد قسوة من العداء الصريح. إنهم "الحياديون"، أولئك الذين يقفون على التل بينما تشتعل المعارك في الوادي، لا لينتصروا للحق، بل لينتظروا هوية المنتصر فينضموا إليه.

اقرأ أيضا

فلسفة الوقوف في المنتصف:الرماديون؟

يروج الحيادي لنفسه كشخص متزن، بعيد عن التطرف في الآراء أو العواطف. يخبرك أن "الحقيقة لها وجهان"، وهو قول حق يراد به باطل حينما يتعلق الأمر بمواقف أخلاقية لا تقبل القسمة على اثنين. في الصداقة، وفي الأزمات، وفي المنعطفات التاريخية، لا يصبح الحياد فضيلة، بل يتحول إلى أداة لتميع المسؤولية. إن "الخيبة" التي يتركها الحيادي في نفوس محبيه لا تأتي من طعنة مباشرة، بل من الفراغ الذي يتركه حين تحتاج إلى "كتف" يستند إليه موقفك. هو لا يخذلك لأنه يكرهك، بل لأنه يحب سلامته الشخصية أكثر مما يحترم قيم الوفاء. إنه يخشى دفع الثمن، وأي موقف حقيقي في هذه الحياة له ثمن. سواء كان كلمة حق، أو مساندة صديق، أو اعتراضا على ظلم.

سيكولوجية الحيادي: الهروب من المواجهة

لماذا يقال إن الحيادي "أجبن من أن يتخذ موقفا"؟ لأن اتخاذ الموقف يتطلب شجاعة أدبية، وقدرة على تحمل التبعات. الحيادي شخص يبحث عن "الأمان المطلق"، ويريد أن يظل صديقا للجميع، وفي النهاية يكتشف أنه ليس صديقا لأحد. هذا النمط من الشخصيات يعاني من فوبيا "الخسارة". يخاف أن يخسر امتيازا، أو يغضب طرفا، أو يحسب على تيار. لذا، يظل في حالة "ترقب دائم". هذا الترقب هو في الواقع طعنة صامتة في ظهر المقربين منه. ففي اللحظة التي تحتاج فيها إلى صوته، ستجده قد استعار "صمت القبور"، مدعيا أنه لا يملك المعطيات الكافية، أو أن الأمر "معقد" أكثر مما يبدو.

الرماديون :الحياد في ميزان الأخلاق

يقول الفيلسوف الإيطالي دانتي: "أشد الأماكن حرارة في الجحيم محفوظة لأولئك الذين وقفوا على الحياد في زمن المعارك الأخلاقية الكبرى". هذه المقولة تلخص جوهر المأساة. فالحياد في وجه الظلم هو انحياز للظالم، والحياد في وجه معاناة الصديق هو خيانة غير معلنة. عندما تعاشر شخصا لا يملك "بوصلة" واضحة، فأنت في الحقيقة تسير مع "ظل" يختفي بمجرد أن تغيب شمس المصلحة. إن الصديق "الواضح" في عدائه أشرف بكثير من الصديق "الهلامي" في حياده. فالأول يعطيك فرصة للدفاع عن نفسك، أما الثاني فيتركك في مهب الريح، متوهما أنك تملك سندا، حتى تكتشف في لحظة الحقيقة أنك وحيد تماما.

اقرأ هذا

الرماديون: اختر ألوانك بعناية

إن الحياة أقصر من أن تقضيها مع أشخاص لا يملكون ملامح فكرية أو عاطفية واضحة. الصداقة والعشرة تبنى على "المواقف"، والموقف هو الاختبار الوحيد لصلابة المعدن. لا تثق بمن يفتخر بأنه "يقف على مسافة واحدة من الجميع"، فالمسافة الواحدة تعني أنه ليس قريبا منك بالقدر الكافي حين تشتد الكروب. عاشر أولئك الذين يخطئون ويصيبون، الذين يغضبون للحق ويفرحون بصدق، الذين تلمس فيهم "حرارة الموقف". أما الرماديون، فاتركهم لرماديتهم، فمن لا يملك الشجاعة لقول "لا" أو "نعم" بملء فيه، لن يملك يوما القدرة على حمايتك أو الوقوف معك حينما يلتف العالم من حولك.
تعليقات