📁عاااااااااجل





 بقلم / أحمد درويش العربى

لم يكن شريف الدمنهوري طالبًا عاديًا، بل كان من أولئك الذين يحسبون الوقت بالدقائق لا بالساعات، ويقيسون النجاح بالعطاء لا بالشهادات.
تخرّج في قسم الهندسة النووية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكان حلمه أن يُحدث فرقًا، أن يترك بصمة في مجالٍ لا يدخله إلا القلّة.

لكن الواقع لم يكن لطيفًا معه.

لم يُقبل معيدًا في الكلية رغم تفوقه، ولم يجد له موطئ قدم في سوق العمل.
كل بابٍ طرقه، كان الرفض أو التجاهل هو الجواب الذي يُغلق خلفه.
ومع مرور الشهور وتراكم المحاولات العقيمة، بدأ يقضي أيامه متنقلًا من مقهى إلى آخر، ومن شارع إلى شارع، يحمل شهادته مطوية في درج مكتبه، يرفض إخراجها خوفًا من سخرية القدر.

بدأ يشعر أن العالم كله قد تخلى عنه.
أصدقاؤه ابتعدوا تدريجيًا، وحتى عائلته لم تعد تحدثه إلا عن ضرورة السعي للحصول على عمل… أي عمل.

لكن الطامة الكبرى لم تكن في الناس، بل في شيءٍ أغرب… شيءٍ لم يخطر بباله قط.

في أحد الأيام، كان يسير على الرصيف تحت شمس الظهيرة الحارقة، حين لاحظ أمرًا مريبًا.
كان يسير… دون أن يصاحبه ظل.

توقف فجأة، وأدار رأسه في كل اتجاه.
رفع يده… لا ظل.
قفز في مكانه… لا ظل.
مدّ ذراعيه وصنع منهما جناحين كما كان يفعل في طفولته حين يتخيل نفسه طائرة، لكن الأرض بقيت خالية.

جلس على الرصيف، وهمس لنفسه بصوتٍ منكسر:
– حتى ظلي… تركني؟

وفجأة، سمع صوتًا خلفه، بدا مألوفًا على نحوٍ غريب:
– أنا لم أتركك عبثًا، يا شريف.

استدار سريعًا، فإذا به يرى… ظله!
لكنه لا يتبعه، بل يقف بعيدًا، مستقلًا، كأنه كائن منفصل.

قال شريف مذهولًا:
– أين كنت؟ ولماذا هجرتني؟

أجابه الظل بنبرة هادئة:
– لم أعد أراك تمشي بثبات.
لم أعد أراك تسعى.
كنت مجرد جسد يتنقل من مكان إلى آخر بلا وجهة، بلا هدف.
وأنا… ظل، لا أرافق إلا من يسير، لا من يضيع داخل متاهته العقلية والروحية، وأنت دخلت متاهتك بإرادتك.

سكت شريف، ثم تمتم:
– وماذا كنت تتوقع؟
أن أرقص وسط الخراب؟
لقد تعبت… تعبت من الطرق المغلقة، من الوجوه الباردة، من أحلامي التي كأنها لم تولد أصلًا.

اقترب الظل منه وقال:
– لم أتركك لأعاقبك، بل لأوقظك.
نحن لا نُخلق لننتظر الفرص، بل لنصنعها.
إن لم تجد بابًا، فاصنع نافذة.
وإن لم تجد عملًا في مجالك، فابحث عن عمل يفتح لك بابًا إليه.

قال شريف بنبرة مريرة:
– أنا لا أجيد شيئًا سوى ما تعلمته.

رد الظل بثقة:
– هذا خطأ.
أنت تجيد الاجتهاد، والانضباط، والتفكير العميق…
وتلك مهارات يمكن أن تفتح لك ألف باب.
فقط أعد ترتيب أفكارك.

صمت شريف لحظة، ثم سأله:
– وإذا فعلت… هل ستعود إليّ؟

ابتسم الظل وقال:
– أنا لا أترك من يسير.

وفي تلك اللحظة، ولأول مرة منذ شهور، شعر شريف بحرارة الشمس ترتد من الأرض إلى ظهره.
نظر إلى الأسفلت، فرأى ظله وقد عاد، يسير معه خطوة بخطوة.

مرت الشهور، وبدأ شريف من جديد.
لم يعد يبحث عن وظيفة، بل بدأ بتقديم دروس عبر الإنترنت في الفيزياء النووية، ثم دشن قناة تعليمية، تلاها مشروع لتبسيط العلوم بلغة يفهمها الجميع.

تدريجيًا، صار له جمهور.
ثم كبرت الدائرة… ولم يعد هو من يطارد الفرص، بل صارت الفرص هي التي تهرول خلفه.

استُدعي للمشاركة في مشروع علمي عربي، وأصبح مرجعًا في مجاله، وصار الناس يبحثون عنه كما كان هو يبحث عنهم يومًا.

وفي كل مرة كان يسير في الشارع، كان يلتفت أحيانًا لينظر إلى ظله، فيراه هناك، يبتسم له من الأرض، وكأن بينهما حديثًا صامتًا يقول:

كلما سرتَ وسعيتَ أكثر، تبعتكُ أكثر.
ولو مددتَ ذراعيك الآن، لصنعتُ منهما طائرة…
فلنحلّق معًا، ونحقق أحلامًا أكثر فأكثر.

تعليقات