ذكرى انتصار أكتوبر المجيدة.. "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ".. شاهد على أيام العزة
 |
| تبة الشجرة |
بقلم / باهر رجب
في العاشر من رمضان، وفي ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، تعود الذاكرة إلى أيام خالدة سطرها الجيش المصري بدمائه و انتصاراته، مؤكدا أن النصر لا يأتي إلا من عند الله. وما أجمل أن نستحضر تلك الأيام ونحن نردد قوله تعالى: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ"، تلك الآية التي كانت شاهدة على واحدة من أعظم البطولات في تاريخ العسكرية المصرية.
شرف الخدمة في سلاح المدفعية
لقد شرفت بالخدمة في القوات المسلحة المصرية بسلاح المدفعية (م م م د)، و تدرجت حتى مستوى قائد سرية. كانت أياما لا تنسى، قضيتها في رحاب وحدات عريقة تعلمنا فيها معنى التضحية والفداء. كان يكتب على جدران الوحدة آية قرآنية ملاصقة لشعار المدفعية الخالد: "المجد – الفخر – الشرف". الآية الكريمة كانت دائما هناك: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ" .
لم تكن تلك الآية مجرد نقش على الجدران، بل كانت عقيدة راسخة في قلوب كل من حمل سلاح المدفعية. وكثيرا ما كنا نتساءل عن السر وراء اختيار هذه الآية بالذات شعارا لنا. كانت الإجابة تكمن في قصة "تبة الشجرة".. ذلك الحصن المنيع الذي أسقطه الجيش المصري بإرادة الرجال ثم بتوفيق من الله.
اقرأ أيضا
تبة الشجرة.. رأس الأفعى المدمرة
تقع "تبة الشجرة" على بعد 10 كيلومترات من مدينة الإسماعيلية و 9 كيلومترات شرق قناة السويس. إنها إحدى النقاط الحصينة التي أقامتها إس رائيل على طول خط قناة السويس، والتي كانت تمثل أقوى حصون خط بارليف الدفاعي . اختارت إس رائيل هذا الموقع تحديدا لأنه يرتفع عن سطح قناة السويس بنحو 74 مترا، مما كان يمكنها من مراقبة الضفة الغربية للقناة والسيطرة على 8 نقاط حصينة من منطقة "البلاح" شمالا حتى "الدفرسوار" جنوبا .
أما عن سبب التسمية، فخلال تصوير الطيران المصري للموقع، تم اكتشاف أن هيكل الموقع يأخذ شكل جذوع الشجر، ومن هنا جاء الاسم. لكن إس رائيل كانت تطلق عليه "رأس الأفعى المدمرة"، إشارة إلى قدرته على السيطرة على محيطه مثل الأفعى .
يتكون الموقع من خندقين كبيرين محصنين بالخرسانة، لا يظهران لأي طيران. يضم الخندق الأول غرفة لضباط الأمن، وغرفة لضابط المخابرات، وغرفة للاتصالات والإشارات. أما الخندق الثاني فيشمل غرف مبيت للضباط، و مطبخا، وعيادة طبية. وقد وضعت إس رائيل حواجز إسفنجية بين الجدران لعزل الصوت .
اقرأ أيضا
معجزة المدفعية المصرية
في الأيام الأولى لحرب أكتوبر، كانت المدفعية المصرية تحاول قصف إحدى النقاط الحصينة على خط المواجهة. وكانت المفاجأة أن القذائف كانت تخطئ الهدف المحدد لها وتصيب التبة نفسها. حاول مراقبو المدفعية تعديل التصويب مرارا وتكرارا، ولكن دون جدوى، كانت القذائف تواصل سقوطها على التبة .
وبعد العبور، اكتشف الجنود المصريون المفاجأة المدوية.. لقد كانت "تبة الشجرة" نفسها هي الهدف الحقيقي! فهي لم تكن مجرد تلة عادية، بل كانت مركز قيادة إس رائيليا متطورا محفورا في الجبل، يضم أحدث أجهزة الاتصال والتشويش و التصنت. وقد تمكنت قذائف المدفعية المصرية – بتوفيق من الله – من تدمير هذا المركز بالكامل .
هنا أدرك الجميع معنى الآية الكريمة، فلم تكن قذائفهم وحدها هي التي أصابت الهدف، بل كانت إرادة الله فوق كل شيء. وعندما علم اللواء محمد سعيد الماحي، مدير سلاح المدفعية المصرية آنذاك، بهذه القصة، اقترح على الرئيس الراحل أنور السادات أن يصبح شعار سلاح المدفعية هو الآية الكريمة، فوافق الرئيس وأصبح هذا الشعار رسميا حتى اليوم .
اقرأ أيضا
اقتحام الحصن.. 45 دقيقة من الجحيم
في يوم 8 أكتوبر 1973، كان الموعد الحاسم مع "تبة الشجرة". تحركت الكتيبة 12 مشاة من الجيش المصري، والتي كانت تسمى "كتيبة المجهود الرئيسي"، لاقتحام هذا الموقع المنيع .
يروي أحد أبطال المعركة، النقيب محمد شمس قائد سرية الرشاشات، تفاصيل تلك الليلة قائلا: "تحركنا يوم 8 أكتوبر مساء بكامل أفراد الكتيبة. وصلنا قبل الفجر إلى موقع التبة على الطريق الأوسط المؤدي مباشرة إلى تل أب يب. قسمنا إلى تسعة فصائل، تم توزيعهم ميمنة وميسرة، وفصائل هجوم مباشر لاحتلال التبة" .
ويضيف: "في خلال 45 دقيقة على الأكثر، سيطرنا على تبة الشجرة، و حررناها من الإس رائيليين الذين فروا من شدة ضغط الضرب عليهم، بعدما اشتبكوا معنا بضراوة لأنها مركز قيادة وبها كل التجهيزات والمعدات التكنولوجية واللاسلكية التي يديرون بها مركز عمليات سيناء كلها" .
أما العميد ثروت زكي، أحد أبطال المعركة، فيروي جانبا آخر من الملحمة: "في يوم 8 ليلا صدرت الأوامر للكتيبة بتطوير الهجوم للاستيلاء على تبة الشجرة. كنا نتقدم تحت ستر دانات دباباتنا، وهو ما أمن لنا الوصول للهدف رغم جحيم نيران القصف الإس رائيلي. وعند وصولنا لمسافة كيلو واحد من الموقع، أمر القائد بفتح جميع أنواع النيران من مختلف الأسلحة ضد الموقع" .
ويضيف: "وصلنا الموقع في تمام العاشرة ليلا بعد أن تحركنا لمسافة 7 كيلومترات، وفوجئنا أن العدو المذعور قد انسحب شرقا، تاركا الموقع بكل ما فيه من دبابات و مجنزرات ومركبات وذخيرة ووقود. لقد ولى العدو هاربا وبغير رجعة" .
 |
| باهر رجب |
متحف تبة الشجرة.. شاهد حي على البطولة
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، تحولت "تبة الشجرة" إلى متحف حربي و مزار سياحي يقصده الزوار من كل مكان . لا يزال الموقع يحتفظ بكل تفاصيله كما كانت يوم المعركة: الدبابات المدمرة، غرف العمليات، أجهزة اللاسلكي التي كانت تتلقى أوامرها من تل أب يب، وحتى الألغام ما زالت في أماكنها تحذر من يقترب .
وفي منتصف الموقع، يقف نصب تذكاري يحمل لوحة شرف أبطال معركة تبة الشجرة، وأسماء الشهداء الذين سقطوا أثناء هذه المعركة من أجل استرجاع الأرض وتحقيق النصر .
النصر من عند الله
علاوة على ذلك تبقى قصة "تبة الشجرة" واحدة من أعظم الروايات التي تجسد معنى النصر الحقيقي. إنها قصة الرجال الذين صنعوا المستحيل. والمدفعية التي أصابت أهدافها بتوفيق من الله، والآية التي أصبحت شعارا لجيل كامل من العسكريين المصريين.
"وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ".. ليست مجرد آية تتلى. بل هي عقيدة كل جندي مصري يؤمن بأن النصر لا يأتي إلا من عند الله. وأن العزة والكرامة لا توهب، بل تنتصر بدماء الشهداء وعزيمة الأحياء.
في ذكرى انتصارات أكتوبر والعاشر من رمضان، تحية لكل من حمل السلاح ودافع عن تراب هذا الوطن. وتحية لأرواح الشهداء الذين رووا بدمائهم أرض سيناء الطاهرة، وتحية لجيش مصر العظيم الذي لا يزال درع الوطن وسيفه.