الأشياء التي تسكننا
بقلم أحمد مختار
بعض الأشياء لا تغادرنا أبداً.
قد تتغير المدن، وتتبدل البيوت، ويمضي العمر مسرعاً حتى لا نكاد نصدق عدد السنوات التي مرت، لكن هناك أشياء تختار أن تبقى. لا نراها بأعيننا، ولا نلمسها بأيدينا، ومع ذلك تسكن في أعماقنا أكثر مما تسكن أجسادنا في الأماكن التي نعيش فيها.
نظن أننا نسيناها.
وهنا تبدأ أكبر أوهام الإنسان.
فالإنسان يحب أن يقنع نفسه بأنه تجاوز ما مضى. يقول إنه نسي وجهاً كان يملأ أيامه. نسي كلمة جرحت قلبه. نسي حلماً انهار بين يديه. نسي ضحكة كانت تغير مزاجه. نسي بيتاً قديماً تركه منذ سنوات طويلة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك.
نحن لا ننسى كما نتخيل.
إنما نواصل الحياة.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
فالنسيان يشبه الرحيل، أما ما يحدث في داخلنا فهو أشبه بالاختباء.
كل تجربة عشناها تترك أثراً.
كل فرحة مرت بنا تترك بصمتها.
كل دمعة سقطت في صمت.
كل خوف أخفيناه.
كل حب لم يكتمل.
كل وداع لم نجد له الكلمات المناسبة.
كلها تستقر في مكان ما داخل أرواحنا.
ربما لا نراها كل يوم، لكنها موجودة.
تعيش معنا بصمت.
وتنتظر.
يشبه الإنسان مكتبة هائلة لا يعرف حجمها الحقيقي.
فيها آلاف الكتب التي قرأها العمر نيابة عنه.
بعضها موضوع على الرفوف القريبة، يمد يده إليه متى شاء.
وبعضها الآخر مغطى بطبقات كثيفة من الغبار، حتى يظن أنه اختفى.
لكنه لم يختف.
إنه فقط بعيد عن الضوء.
ولهذا كثيراً ما تفاجئنا أنفسنا.
فجأة، وأنت تمشي في شارع مزدحم، تسمع لحناً قديماً.
لا شيء مميز في اللحن.
مجرد نغمات عابرة.
لكن قلبك يتوقف للحظة.
وتشعر أن الزمن عاد إلى الوراء.
تتذكر أشخاصاً لم تفكر فيهم منذ سنوات.
وتتذكر أياماً كنت تظن أنها انتهت إلى الأبد.
وفجأة يعود كل شيء.
ليس لأن الذكرى ولدت من جديد.
بل لأنها كانت موجودة طوال الوقت.
مختبئة فقط.
وأحياناً تكون رائحة عابرة.
رائحة طعام كانت تعده أمك.
رائحة كتاب قديم.
رائحة بيت لم تدخله منذ الطفولة.
فتجد نفسك واقفاً بين الماضي والحاضر في اللحظة نفسها.
كأن الزمن فقد قدرته على الفصل بينهما.
العجيب أن أكثر ما يبقى في الإنسان ليس الأحداث نفسها.
بل المشاعر المرتبطة بها.
قد تنسى ما قيل لك حرفياً.
لكنك لا تنسى كيف جعلك ذلك الكلام تشعر.
قد تنسى تفاصيل يوم كامل.
لكن يبقى داخلك إحساس الدفء أو الخذلان أو الأمان أو الفقد.
المشاعر لا تموت بسهولة.
لأنها لا تسكن الذاكرة وحدها.
بل تسكن القلب أيضاً.
ولهذا تظهر أحياناً في لحظات لا نتوقعها.
في زلة لسان.
حين يهرب اسم قديم من بين شفاهنا دون قصد.
في كلمة نقولها فنفاجأ بأنها خرجت من مكان عميق جداً داخلنا.
في نوبة غضب.
حين تنهار الحواجز التي بنيناها حول أنفسنا سنوات طويلة.
فتخرج أوجاع كنا نظن أننا دفناها.
وتظهر حقائق لم نكن نريد الاعتراف بها.
وأحياناً تظهر في حلم.
حلم قصير وعابر في ليلة عادية.
نرى فيه أشخاصاً رحلوا.
ونسمع أصواتاً اختفت.
ونعيش دقائق قليلة مع زمن انتهى منذ سنوات.
ثم نستيقظ.
ونبقى دقائق طويلة ننظر إلى السقف في صمت.
نتساءل:
لماذا عاد هذا كله الآن؟
ولماذا اختار هذا المساء تحديداً؟
والإجابة دائماً واحدة.
لأن الأشياء التي تسكننا لا ترحل.
هي فقط تصمت.
ولعل أجمل ما في الأمر أن هذه الأشياء لا تحمل الألم وحده.
كما أنها لا تحمل الحنين وحده.
هي تحملنا نحن.
تحفظ النسخ القديمة من أرواحنا.
تحفظ الطفل الذي كنا عليه.
والشاب الذي حلم كثيراً.
والإنسان الذي انكسر ثم نهض.
والإنسان الذي أحب.
والإنسان الذي فقد.
والإنسان الذي تعلم.
كل هؤلاء ما زالوا يعيشون في داخلنا بطريقة ما.
ولهذا لا ينبغي أن نحارب ذاكرتنا.
ولا أن نخجل من حنيننا.
ولا أن ننزعج من دمعة جاءت من ذكرى بعيدة.
فما يسكننا هو جزء مما صنعنا.
وجزء مما علمنا.
وجزء مما جعلنا أكثر فهماً للناس والحياة.
إن الإنسان ليس ابن يومه فقط.
بل هو حصيلة كل الأيام التي مرت عليه.
وكل الأشخاص الذين عبروا طريقه.
وكل الكلمات التي لامست قلبه.
وكل الأحلام التي حاول الوصول إليها.
ولهذا، حين نظن أننا نسينا، نكون في الغالب قد أخطأنا الفهم.
فالأشياء التي تسكننا لا تختفي.
إنها فقط تجلس في ركن هادئ من الروح.
تراقب من بعيد.
وتنتظر لحظة مناسبة.
ثم تعود لتهمس لنا في هدوء:
أنا هنا...
ولم أغادر أبداً.
