ما وراء أبواب الحياة الزوجية
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
بمناسبة إرتباط الروح برفيقة العمر. وجدتنى أعرج نحو فكرة طالما إستوقفتنى. كيف تستطيع بعض العلاقات الزوجية أن تبقى واقفة رغم ما مر بها من عواصف. ورغم ما إعترض طريقها من أعاصير. ورغم ما كاد يهدم أركانها من هزات متتابعة. وما السر الذى يجعل علاقة ما تصمد أمام الزمن. بينما تتهاوى أخرى عند أول إختبار. هل يكمن السر فى التفاهم. أم فى رجاحة العقل. أم فى القدرة على الإحتواء. أم فى ذلك الإنسجام العميق الذى يجمع بين الروح والمشاعر والقرب الإنسانى.
ولأن بعض أسرار الحياة الزوجية لا تُرى إلا من خلف الأبواب المغلقة. فإن الحديث عنها يجب أن يبقى فى حدود الخصوصية والإحترام. فالحياة المشتركة لا تُقاس فقط بما يراه الآخرون من تفاصيلها. وإنما بما يحدث فى مساحتها الأكثر خصوصية. وهناك تبدأ لغة أخرى لا تحتاج إلى كثير من الكلام. لغة القرب. ولغة المودة. ولغة الطمأنينة. ولغة الشعور بأن كل طرف يجد فى الآخر سكينته وأمانه.
وقد يبدو أن التوافق بين الزوجين يبدأ من أشياء بسيطة. لكنه فى الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالقرب بين الزوجين ليس مجرد لحظة عابرة. وإنما هو أحد وجوه التفاهم النفسى والعاطفى والجسدى. وكلما إقتربت مشاعر الطرفين من بعضها. وتوافقت إحتياجاتهما. وأصبح كل طرف حريصاً على راحة الآخر. إتسعت مساحة الألفة بينهما. فالإستمرار لا تصنعه الرغبة وحدها. وإنما تصنعه أيضاً الطريقة التى يُعامل بها كل طرف شريكه. ومدى حرصه على ألا يتحول القرب إلى حق يؤخذ. بل إلى مودة متبادلة وعطاء يشعر به الطرفان.
ومن خلال كثير من الحكايات الإنسانية التى مرت أمامى. وجدت أن الخلافات الزوجية لا تبدأ دائماً من غياب المشاعر. كما أن إستمرار الزواج لا يعتمد دائماً على خلوه من الخلاف. فالحياة بطبيعتها تحمل إختلافاً وتعباً وسوء فهم. لكن الفارق الحقيقى يكمن فى قدرة الزوجين على عبور هذه المساحات. من دون أن يتحول الخلاف إلى خصومة دائمة. أو يتحول العتاب إلى جرح. أو يتحول الإختلاف إلى رغبة فى هدم ما بُنى على سنوات من المشاركة.
ثم يأتى الإحتواء. ذلك المعنى الذى قد يبدو بسيطاً فى لفظه. لكنه عظيم فى أثره. أن يدرك كل طرف أن شريكه ليس آلة للكمال. وأن لكل إنسان لحظات ضعف وتقصير وتعب. وأن ما ينقص أحدهما اليوم قد يكتمل غداً. وأن العارض الذى يمر بالإنسان لا ينبغى أن يتحول إلى حكم نهائى على قيمته. أو على مكانته فى قلب شريكه.
وهنا تظهر رجاحة العقل. فالعلاقة الناضجة لا تقوم على محاسبة دقيقة لكل كلمة أو تصرف. وإنما على قدرة الطرفين على فهم بعضهما بعضاً. والتماس العذر عند وجود ظرف أو عقبة. والتعامل مع النقص الإنسانى بإعتباره جزءاً من طبيعة البشر. وقد تكون بعض المشكلات مؤقتة يسهل تجاوزها. وقد تكون أخرى أكثر تعقيداً وتحتاج إلى صبر وحوار وتعاون. لكن قبول الآخر لا يعنى إنكار المشكلة. وإنما يعنى مواجهتها بروح تحافظ على الإنسان قبل أن تبحث عن حل المشكلة.
ومن أركان الإستمرار أيضاً حفظ الأسرار. فما يدور خلف الأبواب المغلقة يظل ملكاً لأصحابه. وليس من الوفاء أن تتحول التفاصيل الخاصة إلى حكايات فى المجالس. أو مادة للشكوى أمام الآخرين. أو وسيلة للإنتقاص من الشريك. فستر الحياة الخاصة ليس مجرد صمت. وإنما هو إحترام عميق للإنسان الذى إختار أن يشاركك حياته.
ثم يأتى التغافل. ذلك الركن الذى تحتاج إليه كل علاقة طويلة. فليس كل خطأ يحتاج إلى معركة. وليس كل هفوة تستحق أن تُفتح لها دفاتر قديمة. هناك أشياء يعالجها الحوار. وأشياء يعالجها الإعتذار. وأشياء كثيرة لا تحتاج إلا إلى قلب يعرف متى يتكلم. ومتى يصمت. ومتى يمرر الأمر حفاظاً على ما هو أكبر.
والتسامح لا يعنى قبول الإساءة. ولا يعنى تجاهل ما يؤذى الإنسان. لكنه يعنى ألا تتحول الزلات إلى سجن دائم للطرفين. فالإنسان الذى يظل يحاكم شريكه على كل موقف قديم. قد يحافظ على ذاكرته. لكنه يخسر راحة حياته. أما من يعرف كيف يضع لكل موقف حجمه. فإنه يمنح العلاقة فرصة جديدة للنمو.
ويبقى الحب هو الروح التى تمنح كل ذلك معناه. والحب فى الحياة الزوجية ليس دائماً ذلك الشعور المتوهج الذى يبدأ به اللقاء الأول. فقد يتغير شكله مع مرور السنوات. يتحول من لهفة إلى طمأنينة. ومن إشتياق إلى ألفة. ومن إنتظار اللقاء إلى شعور عميق بأن وجود الآخر جزء من معنى البيت نفسه. وقد لا تكون الكلمات كثيرة. لكن يكفى أحياناً أن يشعر الإنسان بأن هناك من يفتقده فى غيابه. ويطمئن لوجوده. ويحزن لألمه. ويفرح لفرحه.
وتظل خصوصية الحياة الزوجية واحدة من أكثر المساحات الإنسانية حساسية وعمقاً. فلا يمكن إختصار نجاحها فى جانب واحد. ولا يمكن الحكم عليها من الخارج. فهناك ما يراه الناس. وهناك ما لا يراه أحد. وبين الاثنين تعيش تفاصيل كثيرة من المودة والرحمة والصبر والإحتواء والتسامح.
وربما يكون سر إستمرار بعض العلاقات ببساطة أن أصحابها أدركوا مبكراً أن الزواج ليس مشاركة بيت فقط. ولا مشاركة أيام. وإنما مشاركة روح. وأن القرب الحقيقى لا يقاس بما يحدث خلف الأبواب المغلقة وحده. بل بما يتركه ذلك القرب فى القلب من أمان. وفى النفس من طمأنينة. وفى الحياة من قدرة على الإستمرار.
