📁عاااااااااجل

 


قصة قصيرة من مجموعتى القصصية رحلة اللا عودة

بقلم  / أحمد درويش العربى

الجزء الأول

لم أكن أتصور أن العمر كله قد ينقلب بسبب لحظة لا تتجاوز ثانية، كلمة تقال بلا نية، نظرة تمر مصادفة، رعشة خفيفة لا ينتبه لها أحد.

ظننت دائما أن الجراح هو أكثر الناس قدرة على السيطرة على مشاعره، وأن يده التي تمسك بالمشرط يمكنها أن تمسك كذلك بمصيرها.

لم أظن أن أقسى الجراحين يمكن أن ينهاروا حين يتسلل إليهم مشاعر غير محسوبة.

لم أعرف أن الحب حين يأتي في اللحظة الخطأ، يتحول إلى سكين أعمق من أي مشرط.

نشأت في عائلة ترفع الطب إلى مقام الدين، عائلة لا تسمح لأحد أن يبتعد عن خطها المرسوم.

أبي جراح أسطوري بشهادة علماء ودكاترة كليات الطب داخل البلاد وخارجها، وأمي طبيبة قلب لا تعرف سوى الشرايين والأوردة.

تربيت بين نوبات الطوارئ... وأسرة المرضى... وكتب تشريح تفوح منها رائحة الدم والدهون.

لم أعرف اللعب كما يعرفه الأطفال، لم أعرف الارتباك كما يعرفه المراهقون.

كنت نسخة محسوبة من كل شيء:

ناجحا... منضبطا... صارما.

وهذا ما جعل سقوطا واحدا كفيلا بأن يهدم كل ما نشأت عليه من سنوات.

لم يكن في حياتي وقت للحب.

كنت أراه انشغالا غير ضروري، ونزوة تافهة لا تشبه جدية عالم الطب.

كانت العلاقات بالنسبة لي حالات عابرة، لحظات مؤقتة لا تتجاوز حدود اللياقة.

لم أسمح لامرأة أن تقترب من قلبي بما يكفي.

كنت مقتنعا أن القلب عضلة وظيفتها ضخ الدم وفقط، عضلة تستجيب للأدوية، وتصلحها العمليات... وليست للعشق.

كل ذلك تغير وتحطم يوم رأيتها.

كانت تقف بين مجموعة الممرضات الجدد في قاعة التدريب.

في اللحظة الأولى لم أفهم سبب التغيير الذي حدث في الأجواء كلها.

شيء خافت لكنه مؤثر، كأن الضوء انسحب من المكان ليلتقط تفاصيلها وحدها.

كانت ترتدي الزي الأبيض، لكنه بدا عليها كما لا يبدو على أحد.

وقفت مستقيمة الظهر، ويداها متشابكتان أمامها، كأنها تخفي ارتباكا يكتم صوته.

نظرت إليها لحظة، وكانت تلك اللحظة كافية ليبدأ جسد كامل من الذكريات الجديدة بالتشكل.

سهير.

الاسم وحده كان ناعما، كأنثى تتكلم همسا.

كنت أتحدث للطاقم بحزم، لكن جزءا مني كان ينظر إليها دون إرادة.

كل مرة ترفع عينيها نحوي وتخفضهما بسرعة، أشعر كأن شيئا داخل صدري ينزلق من مكانه.

وعندما اقتربت منها وسألتها:

-اسمك إيه؟

قالت:

-سهير يا دكتور...

هذه الـ "يا دكتور" العادية كانت بداية كل شيء...

لم تكن تعرف أنها أطلقت أول خيط في شبكة كاملة ستسحبني لاحقا نحو نهايتي.

مرت الأيام، وبدأت ألاحظ أنها ليست مجرد واحدة من هيئة التمريض وفقط.

فهي تنصت للمرضى بقلب رحيم، لا بأذن تستمع وفقط.

وتخاف على من لا يخاف على نفسه.

تتوتر حين يصرخ أحدهم، وتبتسم بحنان حين تهدأ الأمور.

رأيت فيها شيئا يشبه الأشياء القديمة، الأشياء التي لا نجدها في المستشفيات الحديثة، ولا في قلوب الناس المتعبين من الحياة.

أصبحت أراقبها دون أن أشعر أني أفعل.

أتابع خطواتها بعين الطبيب وقلب لم يعد طبيبا...

ذات ليلة فقدنا مريضا شابا.

رأيتها تمسح عينيها خلسة خلف باب غرفة الطوارئ.

اقتربت منها، وضعت يدي على كتفها، وشعرت بارتجافها يتسلل إلى أصابعي كنبض كهربائي.

قلت:

-الموت مش ذنبنا.

رفعت عينيها وقالت بهدوء يشبه الانكسار:

-يمكن... بس يمكن القدر محتاج رحمة أكتر من الطب.

لم تكن هذه مجرد كلمة بالنسبة لي، بل كانت خنجرا اخترق قلبي.

منذ تلك اللحظة بدأت أبحث عنها دون ذريعة، وأخترع الذرائع إن لم تكن موجودة.

طلبتها للعمل في مناوبات ليلية لا تحتاج إليها.

مررت على القسم الذي تعمل به بأعذار سخيفة.

سألت عنها أكثر من اللازم.

كنت أشتاق لوجودها اشتياقا لم أعترف به حتى لنفسي.

ومع الوقت صارت سهير جزءا من يومي بطريقة لم أتوقعها.

في كل ليلة كانت تنجح في إذابة طبقة من الجليد الذي صنعته حول قلبي سنوات طويلة.

بالنسبة لي صارت تشبه المطر حين ينزل على أرض متشققة فترتوي وتحيا.

كنا نقف أحيانا في ممرات المستشفى المتعبة، نتبادل كلمات قصيرة، لكنها كانت كافية لتحرك شيئا بداخلي.

حتى جاءت تلك الليلة التي أوصلتها فيها بسيارتي إلى منزلها للمرة الأولى.

لم نتفق على ذلك، لكنها كانت متعبة، وكانت السماء حزينة، وكانت الطرق فارغة إلا منا.

جلست بجانبي، تخفي ارتباكا واضحا.

سألتها إن كانت تحب القراءة، فهزت رأسها:

-بحب أهرب في الكتب من اللي بشوفه هنا.

كانت لديها قدرة غريبة على أن تعري ما نحاول ستره.

شعرت أنها تفهمني دون أن أتكلم.

بدأت اللقاءات تتكرر، مرة بحجة المناوبة، مرة بحجة الملف، ومرة... بلا حجة.

صرت أشتري لها الكتب، والورد، والهدايا الصغيرة.

كانت ترفض أولا، ثم تتراجع بخجل طفولي جميل.

وذات يوم قالت، وهي تنظر من نافذة السيارة إلى الشوارع المزدحمة:

-عمري ما حلمت إني أركب عربية زي دي.

قلت لها:

-وهتركبيها دايما... طالما أنا موجود.

ضحكت، وتلك الضحكة فتحت بابا لم يغلق بعدها.

كنت أظن أننا نسير نحو حب، لكن الحقيقة أننا سرنا نحو حرب لم أكن أعرف أني طرف فيها.

بعد أشهر من القرب بدأت ملامحها تتغير...

توتر مفاجئ، رسائل تخفيها، اتصالات تقلقها، نظرات شرود.

ثم تلك الجملة المتكررة:

-مشاكل عائلية بسيطة...

لكن الحدس، حدس الطبيب، لا يخطئ...

في تلك الفترة بدأ خصم قديم يعود إلى الواجهة:

سامر الراوي، مالك سلسلة مستشفيات منافسة لمجموعة المستشفيات التي تملكها عائلتي.

رجل لا يعرف الرحمة، ويحمل حقدا قديما ضد عائلتي.

وبدأت أسمع عن تحركات مشبوهة داخل مستشفانا:

موظفون يتم استدراجهم، تحويلات مالية غريبة، دفاتر حسابات يعاد كتابتها، أنظمة يتم اختراقها...

ومن بين كل الأسماء، ظهر اسم سهير.

نهاية الجزء الاول...

تعليقات