📁عاااااااااجل

مصر والصين.. شراكة تصنع المستقبل

بقلم: محمد العوضي

ليست كل الزيارات الرئاسية مجرد مراسم وبروتوكولات، فحين تستقبل مصر اليوم، الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، الرئيس الصيني شي جين بينج، في أول زيارة له للقاهرة منذ عشر سنوات، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، فإن الحدث يحمل دلالات تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد والتنمية وبناء الإنسان.


منذ عام 1956، شهدت العلاقات المصرية الصينية تطورًا متواصلًا، حتى وصلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، لتتسع مجالات التعاون وتشمل الصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا.


واليوم، تقف هذه الشراكة أمام مرحلة جديدة، تمتلك فيها مصر موقعًا استراتيجيًا يجعلها بوابة رئيسية للتجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بينما تمتلك الصين خبرات صناعية وتكنولوجية واستثمارية ضخمة.


وهنا تكمن الفرصة المصرية الحقيقية؛ أن ننتقل من استيراد المنتج إلى المشاركة في تصنيعه، ومن استخدام التكنولوجيا إلى توطينها، ومن جذب الاستثمارات إلى تحويلها إلى فرص عمل وخبرات وصادرات.


فالتجارة بين البلدين بلغت نحو 19.5 مليار دولار عام 2025، بينما تجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار، مع وجود العديد من الشركات والمشروعات الصينية في قطاعات اقتصادية وصناعية متنوعة.


لكن التحدي الأكبر يبقى في زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية وتقليل اختلال الميزان التجاري، بحيث تصبح مصر شريكًا منتجًا وفاعلًا داخل هذه العلاقة، وليس مجرد سوق للمنتجات.


المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. بوابة الصناعة والتصدير


وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كنموذج مهم للتعاون المصري الصيني، في ظل وجود عدد كبير من الشركات والمشروعات الصينية بها.


والهدف الأهم خلال المرحلة المقبلة يجب ألا يكون مجرد زيادة حجم الاستثمارات، وإنما تحقيق القيمة المضافة الحقيقية من خلال التصنيع المحلي، والتدريب، ونقل المعرفة، وزيادة المكون المصري، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنعة في مصر.


التكنولوجيا وبناء الإنسان.. المكسب الحقيقي


من أهم الملفات التي يمكن أن تدفع بالشراكة المصرية الصينية إلى آفاق أوسع: الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، ومراكز البيانات، والبحث العلمي، والتعليم، والتدريب المهني.


وهنا يجب أن ندرك حقيقة مهمة:


شراء التكنولوجيا ليس هو توطين التكنولوجيا.


فالمشروع الناجح ليس فقط الذي يقام على أرض مصر، وإنما الذي يترك وراءه مهندسًا مصريًا أكثر خبرة، وفنيًا أكثر مهارة، وشابًا قادرًا على المنافسة، وشركة مصرية قادرة على الدخول في سلاسل الإنتاج والتصدير.


ومن هنا تأتي أهمية التعاون في مجال التعليم والتدريب، وربط الجامعات باحتياجات الصناعة وسوق العمل، حتى لا يكون الاستثمار مجرد مبانٍ ومصانع، وإنما منظومة متكاملة لبناء الإنسان المصري.


من الصداقة إلى الشراكة المنتجة


إن قوة العلاقات المصرية الصينية لا يجب أن تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما تتركه هذه الاتفاقيات من أثر حقيقي على حياة المواطن والاقتصاد الوطني.


نريد مصانع جديدة، وفرص عمل حقيقية، وتدريبًا متقدمًا لشبابنا، ونقلًا للخبرات، وزيادة في الصادرات، ودعمًا للشركات المصرية حتى تصبح جزءًا من سلاسل الإنتاج العالمية.


فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعاون التقليدي إلى الشراكة المنتجة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن استيراد التكنولوجيا إلى امتلاك المعرفة والقدرة على تطويرها.


النجاح يُقاس بالنتائج


في النهاية، لن يكون السؤال: كم اتفاقية تم توقيعها؟


بل سيكون السؤال:


كم مصنعًا بدأ الإنتاج؟

كم فرصة عمل تم توفيرها؟

كم شابًا حصل على تدريب حقيقي؟

كم تقنية تم توطينها؟

كم ارتفعت الصادرات المصرية؟

وكم شركة مصرية أصبحت قادرة على المنافسة عالميًا؟


هذه هي المسطرة الحقيقية التي يجب أن نقيس بها نجاح الشراكة.


إن زيارة الرئيس الصيني لمصر ليست مجرد احتفال بسبعة عقود من العلاقات والصداقة، وإنما فرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها:


استثمار يبني.. تكنولوجيا تُوطَّن.. تعليم يؤهل.. صناعة تُنتج.. وشباب يصنع المستقبل.


فالقيمة الحقيقية للعلاقات المصرية الصينية ليست فقط في تاريخ طويل من الصداقة، وإنما في قدرتنا على تحويل هذا التاريخ إلى قوة اقتصادية وصناعية وعلمية، تعود بالنفع على المواطن المصري، وتدعم مكانة مصر كمركز إقليمي للإنتاج والتجارة والاستثمار.


مصر والصين.. صداقة عمرها 70 عامًا، وشراكة قادرة على صناعة مستقبل جديد.


◇ الإعلام التنموي رسالة ومسؤولية.. ومعًا نُبرز مكتسبات الوطن.



تعليقات