📁عاااااااااجل

عندما انهار المتفوق

 جريمة محلة مرحوم بالغربية .. عندما انهار المتفوق


بقلم: د. حماده ابوعريضة


لم تكن قرية محلة مرحوم التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، على موعد مع جريمة عادية. كانت على موعد مع صدمة ستظل حديث الناس لسنوات، بطلها ليس بلطجياً أو مسجل خطر، بل شاب كان حتى الأمس القريب يُضرب به المثل في الأدب والتفوق.


في صباح الخميس 8 أكتوبر 2026، استيقظت القرية على حقيقة مرعبة: شاب من أوائل كلية الحقوق، قتل والده ووالدته طعناً بسكين، ثم خرج ليخبر الناس بنفسه.

أولاً: من هو الجاني؟

المتهم هو محمد نبيل الشربيني**، في منتصف العقد الثالث من عمره، حاصل على ليسانس حقوق بتقدير **جيد جداً وترتيب متقدم بين أوائل دفعته.  


شاب عُرف بين أهل قريته بالأخلاق والهدوء والالتزام، كان مشروع قاضٍ أو وكيل نيابة، وكان قد تقدم لاستكمال دراساته العليا للحصول على الماجستير بعد الليسانس. كل المؤشرات كانت تقول إنه في طريقه لمستقبل قضائي مرموق، إلى أن بدأت تظهر عليه في الشهور الأخيرة علامات اضطراب نفسي حاد لاحظها المقربون منه.  

ثانياً: الضحايا والجريمة

الضحيتان هما والده عبدالعزيز. ا وشهرته نبيل، في العقد السادس من العمر، ووالدته مهجة 54 عاماً.


الجريمة وقعت داخل منزل الأسرة بمحلة مرحوم. المتهم استخدم آلة حادة "سكين" وسدد لهما عدة طعنات في أنحاء متفرقة من الجسد، ثم تركهما جثتين هامدتين داخل المنزل لعدة أيام وفر هارباً إلى مدينة بنها بمحافظة القليوبية.

ثالثاً: كيف انكشفت الجريمة؟

هنا تتقاطع روايتان كشفتهما التحقيقات والصحافة المحلية:


الرواية الشعبية التي هزت القرية: فوجئ الأهالي بالشاب يتجول في الشارع ويردد بانهيار: "أنا قتلت أبويا وأمي". كلمات لم يصدقها أحد في البداية، فتوجه عدد من الأهالي لمنزل الأسرة للتأكد.  


الرواية الرسمية الأمنية: ابنة المجني عليهما المقيمة في القاهرة، حاولت الاتصال بوالديها لمدة **3 أيام متتالية دون رد**، فانتابها القلق وتواصلت مع الجيران ليفتحوا الشقة. وعندما فتحوا الباب وجدوا الزوجين غارقين في دمائهما.


الصدفة والاعتراف العلني اجتمعا ليكشفا جريمة ظلت طي الكتمان لأيام.

رابعاً: الدافع والبعد النفسي

الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الغربية انتقلت فور البلاغ، وتم تشكيل فريق بحث جنائي، ونجحت في ضبط المتهم.


وبمواجهته، اعترف المتهم تفصيلياً بارتكاب الواقعة. وفي التحقيقات الأولية قال إنه ارتكبها انتقاماً بسبب خلافات متكررة مع أسرته**، بينما أكدت مصادر أمنية وطبية أولية أنه يعاني من **اضطرابات نفسية ونوبة نفسية حادة لحظة ارتكاب الجريمة.


هذا يفتح الباب أمام سؤال قانوني وإنساني خطير، وأنا كرجل قانون أضعه أمامكم: هل نحن أمام جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار، أم أمام جريمة ارتكبها مريض نفسي فقد السيطرة على إدراكه؟ وهو ما ستحدده تقارير الطب النفسي الشرعي والنيابة العامة التي تتولى التحقيق الآن.

خامساً: الدلالة والصدمة

لماذا هذه الجريمة مختلفة؟


لأنها تحطم الصورة النمطية للمجرم. الجاني ليس فاشلاً دراسياً، بل من الأوائل. ليس سيئ السمعة، بل كان مثالاً للأدب. وهذا هو الخطر الحقيقي: المرض النفسي لا يفرق بين متفوق وفاشل، ولا يظهر في فيش وتشبيه.


قرية محلة مرحوم اليوم لا تبكي أباً وأماً فقط، بل تبكي شاباً ضاع مستقبله بين ضغوط التفوق والانتظار والطموح المؤجل، وبين مرض صامت لم يجد من ينتبه له.


تم نقل الجثامين إلى مشرحة مستشفى طنطا الجامعي، وتحرر المحضر اللازم، ومازالت النيابة تباشر تحقيقاتها.


الخلاصة: هذه ليست مجرد جريمة قتل، هذه جرس إنذار لكل أسرة: اسمعوا لأبنائكم، حتى المتفوقين منهم. التفوق الدراسي لا يعني السلامة النفسية، والصمت أحياناً يكون صرخة استغاثة لا نسمعها إلا بعد فوات الأوان.


رحم الله الضحايا، ولطف الله بهذا الشاب وبكل شاب يكتم صراعه الداخلي.

الإعلامي والصحفي د. حماده ابوعريضه
الإعلامي والصحفي د. حماده ابوعريضه
تعليقات